امعان
كان حازم من ذلك النوع من الرجال الذى يرى الصرامة فى التعامل مع الأنثى نبراسا ورغم عاطفيته الشديدة ورقته الشاعرية عندما يخلو لنفسه أو مع أهله إلا أنه يرى فى علاقة الأنثى بالذكر الموت نفسه خاصة إذا اختليا أو انعقدت بينهما أواصر قرب ولو للخدمة و القيام بحقوق البر و الصلة وحتى لو كانت هى قديسة وهو يوسف فالبشر عنده بشر بنقصهم وضعفهم .
ولم يكن يرى امرأة غير ذات جمال وإنما هن جمال أخاذ وفتنة طاغية وسهام فتاكة لقلوب الرجال حتى أولئك اللواتى يرى المجموع دمامتهن لم يرهن بنفس العيون وإنما فى نفسه أن لهن جوانب فتنة ما دمن إناثا .
ولذلك وبعيدا عن التدين و التورع فقد ركب فيه النفور من القرب منهن إلا لحاجة قصوى فى حدود عدم اقتراب الأنفاس أو الرؤوس وفى حدود العلن لا السر ولا المداراة بل ولا بد أن يقدم بينه وبين من يخدمها منهن شخصا ما يكسر الشبهة و يرفع الغفلة ويحفظ الكلفة وهذا هو ما يؤمن أنه يؤمِّنُ الرجل والمرأة من السقوط فى وهدة المعصية أو شبهة تناول الألسن .
ولقد دعاه ذلك إلى أن يصنع لنفسه حجبا وسدودا وحواجز تثبت الكلفة وتزيد التحرج فى تعامله مع أقرب الناس إليه ، ولم يكن يترك مجلسا قط مع أهله أو أصحابه إلا ويبدى فيه امتعاضا من رفع الكلفة وقرب النساء من الرجال وعرف منه كل من حوله ذلك بل وصارت النساء يعملن حسابا للتعامل معه ولذلك شق عليه ما كان يراه من اندماج بعض بيوت من حوله وشق عليه أكثر ما تردد على مسامعه من رفع الكلفة بين مبروك و عاطف رغم حبه للإثنين ولكنها الثقافة و المذهب بل وكدر صفوه ما كان يرى من اقتراب نهال من الرجال هذا القرب مع علمه بطهارة ذيلها من هذا الباب ولكنها فى النهاية أمام العرف و العامة امرأة بين رجال ومع عاطف امرأة ورجل ولا بد أن تلوك سيرتهما الألسن وما يضير ما هى عليه من الدعوة إلى ما تريد من المعروف إذا نقص ما تقدمه بل إذا جلست فى دارها أصلا .. ربما صار إلى أفضل من أن يرى الناس فيها هذا النقص المظنون مع ميلهم إلى تقديم شئ من الأفكار يؤدى إلى الشك و الريبة .
لم تكن العلاقة بين حازم وعاطف وليدة وجودهما على السفينة وإنما هى أبعد من ذلك إلى زمن سحيق ، فقد نشآ معا منذ كانا صبيين فى المدرسة الثانوية وكان ما بينهما حب صادق فيه الكثير من الود والألفة والقرب ولم يمنع قربهما من بعضهما حازما من أن يسدى إلى عاطف النصح فى ما يخصه من شئون الحياة ولا عاطف من قبول ما يقدمه إليه أخوه من مثل هذه الهدايا والتى كان يعتبرها كذلك ولم ير أحدهما من الآخر إلا الخير ورأت زوجتاهما منهما ذلك مبكرا بل وعرف الجميع لهما هذا التدانى لذلك لم يستغرب أحد يوما لجوء أحدهما للآخر عند الشدة أى شدة مهما كانت ولذلك لم ير حازم غرابة فى نداء آمال له شاكية من أن منزلها سينهار إذا لم يدركها هى وزوجها وأنها فى حاجته فمضى من فوره إليهما فى محاولة لإستدراك ما فات و استكناه ما هو حادث ونجدة أخيه من الزلل وإياها من اندفاع صاحبه ، ومكث بينهما واستمع إليهما ورأى صوابها وخطأه واصراره على المضى فيما يراه وإصرارها على عدم التنازل عن حقها فى صون حقها كمجنى عليها لا الجانى وكلاهما مصر على رأيه وانتصر هو لها وحاول أن يثنى صاحبه عما يريد من الإستمرار فى اتباع شيطانه غير أن ضعفه أمام غواية ابليس كان أكبر من أن يعود عن المضى معه والإنسياق له وقد ركب رأسه تماما فأغلق عليه الفهم والإستيعاب حتى أصبح همه كله أن تنفذ آمال ما يريد من انحنائها لنهال وإلا ….
وحاول حازم أن يثنيه عما هو فيه باستدرار عطفه تارة و تخطئته أخرى وبخاطره عنده ثالثة وهو ماض مصر غير آبه لشئ ولا لعواقب حتى أعجز صاحبه ومضى غاضبا إلى حيث يبحث عمن يستطيع أن يقهر الرجل ويعيده للصواب جبرا فهداه تفكيره إلى الشيخ مهران لمعرفته بما لسلطان الشيخ عليه وكان لا بد أن ينقل إلى الرجل ما دار بل ويشير إلى تلك الجلسات التى طالما احتوشتهما ومعهما بصير ليلفت انتباه الرجل إلى سبب ما آل إليه أمر صاحبه وزوجته وانفجر الأمر و انطلقت رائحتها العطنة من عقالها .
سارع الشيخ مهران باستدعاء عاطف إليه وحادثه كثيرا فى الأمر إلا أن الرجل أصر على ما هو فيه من حقه فى أن تنفذ امرأته ما يريد وأن تعيد إليه هيبته المفقودة وأن تعتذر لنهال وألا تتدخل فى شئونه وعلاقاته بعد ذلك وانتهز فرصة حديثه إلى ذى تأثير فقرر عنده أنه لن يسمح لها أيضا بما كان يسمح به لها من الخروج إلى المسجد وبانتسابها إلى تلك الفئة التى تدير لقاءاته وأنها لن تغادر قمرتها إلا إذا أنفذت ما هو مطلوب منها .
وهال الرجل ما سمع ولكنه وبرغم استبقاءه إياه عنده وقتا ليس بالقصير فى حوار لم ينقطع وهو يحاول أن يثنيه عما هو فيه من عزم على ما اعتبره الشيخ مهران معصية وصدا عن سبيل الله إلا أنه لم يصل معه إلى حل وكأنما كانت أفكاره سفودا لا يزال يزداد ثباته فى نسيج عقله كلما حاول انتزاعه .
واسقط فى يد الرجل ورأى ألا مخرج مما هو فيه إلا أن يترك صاحبه إلى أن يبرد ما فيه من غضب ولكنه لم يهدأ ولم يعد إلى سابق عهده ، لقد لُبس عليه الأمر وأصبح ينافح عن خيال جامح وقضية غير موجودة ، فكرامته لم تنتقص و نهال لم تجرح وإنما كان يكفيه أن يرى الحق فيتبعه ولم يكن الحق أبدا فى أن يضع نفسه موضع الشبهة وما دام هذا الإختلاط الزائد قد حرك لدى زوجته ما يغيظ فكان أولى به أن يحفظ على ملاءته بياضها و على زوجته اطمئنانها النفسى ، وعلى الأخرى ما لأخيه من حقوق قد تنتقص لو ظل على اصراره ولكنه فى النهاية لم يفكر ، ولو فكر وأمعن الفكر لوجد الخير كله فى غير ما قام به خاصة وأن من يتصدون للحركة بين الناس تظهر هناتهم فواحش وزلاتهم سقطات .
واستمر ما بين عاطف وآمال يزداد ويكبر وضغطه يتعاظم ويشتد وانقطعت آمال عن المسجد وعن ملاقاة النسوة ورضخت لما يريد لها من حرمان فى سبيل ألا تعتذر عن ذنب لم ترتكبه و جناية لم تقترفها خاصة وأنها لم تكن التى أذاعت ما يشكو منه ولم تجدف فى بحر الشقاق وإنما هو اصراره ، وركوب نهال رأسها ، وشيطان يدفع فى اتجاه القطيعة و التخريب وقد تلبس رأساهما لإرادة لا يعلمها إلا الله .
استدراج
تهيأ لسمير كثيرا الإنفراد بإنجى فى مكانهما الأثير فوق السطح و حدثها واستمع إليها وهو مأخوذ فى الحالين ، فكان يبثها كوامن شجنه على لسان أبطاله بنفس حماسهم و عاطفتهم فيسيل لسانه رقة و عذوبة و عذابا و ينصت لها وهو لاه تماما عما تقول وإنما يهتز طربا لصوتها و حلاوته و نظراتها الخجلى بدفئها و حنانها ووجهها الرائع الملائكى فى ابتسامه وضحكه بل ويرسل لخياله العنان متخيلا شعرها المسترسل وجسدها الرائع التكوين وقد حجبتهما عنه ، ويظل على ما هو عليه من عدم الشعور إلا بما هو فيه من حلمه هذا حتى تفاجئه أناملها وهى تجذب كم قميصه أو تربت على كتفه فيعود ولكنه يكون قد ترك أثرا لم يتعمد تركه وإن تركت نفسها تنهزم له وتتأثر به .
وبدأت تستعير كتبه لتعيش مع أبطاله كما يفعل وتغوص فى معانى سيرهم وأشعارهم ونثرهم لتستمتع ببلاغة ما سبق منهم وتتعرف إلى محبوبة كل منهم وتقيس مشاعرها وتعيش جمال لحظات اجتماعها بالمحبوب و ارتعاشة القلب وقد وقعت عليه قطرات الندى بللا يرطب حريقا يستعر فى قلوبهن جميعا وجدا جوى .
وراح يهبها فى كل مرة كتابا وفى كل كتاب ينسى قصاصة يبثها ما فى فؤاده بث المهتاج الحائر دون أن يوجهها إليها باسمها وهى تقرأ وتترك نفسها تنهزم له وتتأثر به دون أن تنبس ببنت شفة عما وجدت و كأنما هى شئ لا يعنيها وتعيد الكتاب إليه و يبدله بأخيه وهو لا يضن عليها بكتاب ولا ينسى أن ينسى فى الكتاب تلك الرسالة وهى لا تنى تبحث عنها بين طياته بمجرد أن تخلو إلى نفسها لتلتهم حروفها فيسكن جسدها عما به من توتر ومن ثم تسترخى لتقرأ وتحيا اللحظة و تحلم .
وسارت الأيام بهما هكذا دواليك بين لقاء و حديث وكتاب ورسالة وما فى نفسيهما يتعاظم ويتضخم فأما هو فهوىً مثل ما سبقه مع كثيرات غيرها يحيره ويلهبه لظى وحرقة حتى إذا ما أدرك مبتغاه برد ما لديه وعاد يبحث عن عذر مقبول ترضى به عنه سلوى و هو يدرى أنها لا تملك إلا أن تغفر وتصفح وإلا لكانت ألقت به مع أول حب من نوافذ






















