Yahoo!

نهال (الحلقة الثانية عشرة )

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 5 أغسطس 2011 الساعة: 23:59 م

 

امعان
                               كان حازم من ذلك النوع من الرجال الذى يرى الصرامة فى التعامل مع الأنثى نبراسا ورغم عاطفيته الشديدة ورقته الشاعرية عندما يخلو لنفسه أو مع أهله إلا أنه يرى فى علاقة الأنثى بالذكر الموت نفسه خاصة إذا اختليا أو انعقدت بينهما أواصر قرب ولو للخدمة و القيام بحقوق البر و الصلة وحتى لو كانت هى قديسة وهو يوسف فالبشر عنده بشر بنقصهم وضعفهم .
                ولم يكن يرى امرأة غير ذات جمال وإنما هن جمال أخاذ وفتنة طاغية وسهام فتاكة لقلوب الرجال حتى أولئك اللواتى يرى المجموع دمامتهن لم يرهن بنفس العيون وإنما فى نفسه أن لهن جوانب فتنة ما دمن إناثا .
               ولذلك وبعيدا عن التدين و التورع فقد ركب فيه النفور من القرب منهن إلا لحاجة قصوى فى حدود عدم اقتراب الأنفاس أو الرؤوس وفى حدود العلن لا السر ولا المداراة بل ولا بد أن يقدم بينه وبين من يخدمها منهن شخصا ما يكسر الشبهة و يرفع الغفلة ويحفظ الكلفة وهذا هو ما يؤمن أنه يؤمِّنُ الرجل والمرأة من السقوط فى وهدة المعصية أو شبهة تناول الألسن .
                ولقد دعاه ذلك إلى أن يصنع لنفسه حجبا وسدودا وحواجز تثبت الكلفة وتزيد التحرج فى تعامله مع أقرب الناس إليه ، ولم يكن يترك مجلسا قط مع أهله أو أصحابه إلا ويبدى فيه امتعاضا من رفع الكلفة وقرب النساء من الرجال وعرف منه كل من حوله ذلك بل وصارت النساء يعملن حسابا للتعامل معه ولذلك شق عليه ما كان يراه من اندماج بعض بيوت من حوله وشق عليه أكثر ما تردد على مسامعه من رفع الكلفة بين مبروك و عاطف رغم حبه للإثنين ولكنها الثقافة و المذهب بل وكدر صفوه ما كان يرى من اقتراب نهال من الرجال هذا القرب مع علمه بطهارة ذيلها من هذا الباب ولكنها فى النهاية أمام العرف و العامة امرأة بين رجال ومع عاطف امرأة ورجل ولا بد أن تلوك سيرتهما الألسن وما يضير ما هى عليه من الدعوة إلى ما تريد من المعروف إذا نقص ما تقدمه بل إذا جلست فى دارها أصلا .. ربما صار إلى أفضل من أن يرى الناس فيها هذا النقص المظنون مع ميلهم إلى تقديم شئ من الأفكار يؤدى إلى الشك و الريبة .
                لم تكن العلاقة بين حازم وعاطف وليدة وجودهما على السفينة وإنما هى أبعد من ذلك إلى زمن سحيق ، فقد نشآ معا منذ كانا صبيين فى المدرسة الثانوية وكان ما بينهما حب صادق فيه الكثير من الود والألفة والقرب ولم يمنع قربهما من بعضهما حازما من أن يسدى إلى عاطف النصح فى ما يخصه من شئون الحياة ولا عاطف من قبول ما يقدمه إليه أخوه من مثل هذه الهدايا والتى كان يعتبرها كذلك ولم ير أحدهما من الآخر إلا الخير ورأت زوجتاهما منهما ذلك مبكرا بل وعرف الجميع لهما هذا التدانى لذلك لم يستغرب أحد يوما لجوء أحدهما للآخر عند الشدة أى شدة مهما كانت ولذلك لم ير حازم غرابة فى نداء آمال له شاكية من أن منزلها سينهار إذا لم يدركها هى وزوجها وأنها فى حاجته فمضى من فوره إليهما فى محاولة لإستدراك ما فات و استكناه ما هو حادث ونجدة أخيه من الزلل وإياها من اندفاع صاحبه ، ومكث بينهما واستمع إليهما ورأى صوابها وخطأه واصراره على المضى فيما يراه وإصرارها على عدم التنازل عن حقها فى صون حقها كمجنى عليها لا الجانى وكلاهما مصر على رأيه وانتصر هو لها وحاول أن يثنى صاحبه عما يريد من الإستمرار فى اتباع شيطانه غير أن ضعفه أمام غواية ابليس كان أكبر من أن يعود عن المضى معه والإنسياق له وقد ركب رأسه تماما فأغلق عليه الفهم والإستيعاب حتى أصبح همه كله أن تنفذ آمال ما يريد من انحنائها لنهال وإلا ….
                 وحاول حازم أن يثنيه عما هو فيه باستدرار عطفه تارة و تخطئته أخرى وبخاطره عنده ثالثة وهو ماض مصر غير آبه لشئ ولا لعواقب حتى أعجز صاحبه ومضى غاضبا إلى حيث يبحث عمن يستطيع أن يقهر الرجل ويعيده للصواب جبرا فهداه تفكيره إلى الشيخ مهران لمعرفته بما لسلطان الشيخ عليه وكان لا بد أن ينقل إلى الرجل ما دار بل ويشير إلى تلك الجلسات التى طالما احتوشتهما ومعهما بصير ليلفت انتباه الرجل إلى سبب ما آل إليه أمر صاحبه وزوجته وانفجر الأمر و انطلقت رائحتها العطنة من عقالها .
                    سارع الشيخ مهران باستدعاء عاطف إليه وحادثه كثيرا فى الأمر إلا أن الرجل أصر على ما هو فيه من حقه فى أن تنفذ امرأته ما يريد وأن تعيد إليه هيبته المفقودة وأن تعتذر لنهال وألا تتدخل فى شئونه وعلاقاته بعد ذلك وانتهز فرصة حديثه إلى ذى تأثير فقرر عنده أنه لن يسمح لها أيضا بما كان يسمح به لها من الخروج إلى المسجد وبانتسابها إلى تلك الفئة التى تدير لقاءاته وأنها لن تغادر قمرتها إلا إذا أنفذت ما هو مطلوب منها .
                    وهال الرجل ما سمع ولكنه وبرغم استبقاءه إياه عنده وقتا ليس بالقصير فى حوار لم ينقطع وهو يحاول أن يثنيه عما هو فيه من عزم على ما اعتبره الشيخ مهران معصية وصدا عن سبيل الله إلا أنه لم يصل معه إلى حل وكأنما كانت أفكاره سفودا لا يزال يزداد ثباته فى نسيج عقله كلما حاول انتزاعه .
                    واسقط فى يد الرجل ورأى ألا مخرج مما هو فيه إلا أن يترك صاحبه إلى أن يبرد ما فيه من غضب ولكنه لم يهدأ ولم يعد إلى سابق عهده ، لقد لُبس عليه الأمر وأصبح ينافح عن خيال جامح وقضية غير موجودة ، فكرامته لم تنتقص و نهال لم تجرح وإنما كان يكفيه أن يرى الحق فيتبعه ولم يكن الحق أبدا فى أن يضع نفسه موضع الشبهة وما دام هذا الإختلاط الزائد قد حرك لدى زوجته ما يغيظ فكان أولى به أن يحفظ على ملاءته بياضها و على زوجته اطمئنانها النفسى ، وعلى الأخرى ما لأخيه من حقوق قد تنتقص لو ظل على اصراره ولكنه فى النهاية لم يفكر ، ولو فكر وأمعن الفكر لوجد الخير كله فى غير ما قام به خاصة وأن من يتصدون للحركة بين الناس تظهر هناتهم فواحش وزلاتهم سقطات .
                    واستمر ما بين عاطف وآمال يزداد ويكبر وضغطه يتعاظم ويشتد وانقطعت آمال عن المسجد وعن ملاقاة النسوة ورضخت لما يريد لها من حرمان فى سبيل ألا تعتذر عن ذنب لم ترتكبه و جناية لم تقترفها خاصة وأنها لم تكن التى أذاعت ما يشكو منه ولم تجدف فى بحر الشقاق وإنما هو اصراره ، وركوب نهال رأسها ، وشيطان يدفع فى اتجاه القطيعة و التخريب وقد تلبس رأساهما لإرادة لا يعلمها إلا الله .
 
استدراج
 
                              تهيأ لسمير كثيرا الإنفراد بإنجى فى مكانهما الأثير فوق السطح و حدثها واستمع إليها وهو مأخوذ فى الحالين ، فكان يبثها كوامن شجنه على لسان أبطاله بنفس حماسهم و عاطفتهم فيسيل لسانه رقة و عذوبة و عذابا و ينصت لها وهو لاه تماما عما تقول وإنما يهتز طربا لصوتها و حلاوته و نظراتها الخجلى بدفئها و حنانها ووجهها الرائع الملائكى فى ابتسامه وضحكه بل ويرسل لخياله العنان متخيلا شعرها المسترسل وجسدها الرائع التكوين وقد حجبتهما عنه ، ويظل على ما هو عليه من عدم الشعور إلا بما هو فيه من حلمه هذا حتى تفاجئه أناملها وهى تجذب كم قميصه أو تربت على كتفه فيعود ولكنه يكون قد ترك أثرا لم يتعمد تركه وإن تركت نفسها تنهزم له وتتأثر به .
                    وبدأت تستعير كتبه لتعيش مع أبطاله كما يفعل وتغوص فى معانى سيرهم وأشعارهم ونثرهم لتستمتع ببلاغة ما سبق منهم وتتعرف إلى محبوبة كل منهم وتقيس مشاعرها وتعيش جمال لحظات اجتماعها بالمحبوب و ارتعاشة القلب وقد  وقعت عليه قطرات الندى بللا يرطب حريقا يستعر فى قلوبهن جميعا وجدا جوى .
                    وراح يهبها فى كل مرة كتابا وفى كل كتاب ينسى قصاصة يبثها ما فى فؤاده بث المهتاج الحائر دون أن يوجهها إليها باسمها وهى تقرأ وتترك نفسها تنهزم له وتتأثر به دون أن تنبس ببنت شفة عما وجدت و كأنما هى شئ لا يعنيها وتعيد الكتاب إليه و يبدله بأخيه وهو لا يضن عليها بكتاب ولا ينسى أن ينسى فى الكتاب تلك الرسالة وهى لا تنى تبحث عنها بين طياته بمجرد أن تخلو إلى نفسها لتلتهم حروفها فيسكن جسدها عما به من توتر ومن ثم تسترخى لتقرأ وتحيا اللحظة و تحلم .
                         وسارت الأيام بهما هكذا دواليك بين لقاء و حديث وكتاب ورسالة وما فى نفسيهما يتعاظم ويتضخم فأما هو فهوىً مثل ما سبقه مع كثيرات غيرها يحيره ويلهبه لظى وحرقة حتى إذا ما أدرك مبتغاه برد ما لديه وعاد يبحث عن عذر مقبول ترضى به عنه سلوى و هو يدرى أنها لا تملك إلا أن تغفر وتصفح وإلا لكانت ألقت به مع أول حب من نوافذ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال ( الحلقة الحادية عشرة)

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 29 يوليو 2011 الساعة: 21:16 م

 

الشيطان يقود
                     كثيرة تلك الثورات التى قامت على مدار التاريخ فى كل العصور و الدول وما   من  ثورة من هذه  الثورات  إلا  وكان لها وقود من نحور الثوار و دمائهم ومن دماء هؤلاء الذين انفـجرت الثورات فى وجوههم .        
                    ولقد تنوعت هذه الثورات ما بين الإجتماعى و الدينى و السياسى و الإقتصادى ، وكما تنوعت هى فقد تنوع انتماء القائمين عليها سواء الطبقى الإنتمائى أو اللونى الفكرى الدافع ولكن وبرغم ذلك فإن أغلب ما اجتمع عليه أمر هذه الثورات هو ذكورة من يتحمل التبعة فيها ، والمرأة فيها إذا ارتفع حظها فهى شريك بالتخطيط و التدبير أو التحريض أو المساندة ولا تتعدى هذا الخط أبدا ولا يتخلف عن منحها هذا الدور مجتمع من المجتمعات سواء فى الغرب أو فى الشرق .
                    آسيا ووالهة وإيزيس ونفتيس ورادوبيس ونفرتارى و كليوباترا و هيلينا ودليلة ومارى انطوانيت و خديجة وهند بنت عتبة و شجرة الدر وأروى وبلقيس وجان دارك وتريزا وجميلة و سارة برنار وهدى شعراوى وسيزا نبراوى وصفية زغلول كلها أسماء لنساء لا يمثلن حصرا وقد لمعن فى حقب التاريخ كلها ولكنه كان لمعانا فرديا برغم شهرتهن وانتباه العالم إلى بطولاتهن وقدرتهن على المواجهة والتفكير و التخطيط و الحفز برغم أنهن لا يشتركن جميعا فى الدعوة إلى الخير إنما هن رموز لتلك المرأة التى حصلت نوعا من المجالدة و البطولة مهما كان اتجاه اندفاعها .
                    وإذا كانت المرأة تستطيع الآن أن تخطط وتدبر و تقود وتلتحم بالرجال التحاما مباشرا يجعلها تستغنى عن الحاجة إلى التستر خلفهم فلأن معايير الصيانة لدى الغرب قد انفلتت فسقطت الحواجز بل و استرجلت المرأة وأصبح لا فارق هناك بين أن يأكلا معا ويجلسا معا ويتحدثا معا ويشربا معا ويرقدا معا ويتعاطيا ما يتعاطيان من كافة ما يتعاطيانه فالحاجات و الغرائز جميعا يجب أن تلبى وذلك الذى نحرص عليه هنا لا حاجة لهم فى الحرص عليه فهو مثله مثل إى من حاجات الإنسان الطبيعية يجب أن تلبى .
                    أما الشرق جميعه حتى الكافر منه فالأمر يختلف عنده ، فالحواجز ما زالت موجودة و المرأة محظور لا يمس غيرة وأخلاقا أو تدينا و حمية ولذلك لا يمكن للمرأة الشرقية إلا أن تشارك وأن ينوب عنها الرجل فيما تريد حتى عند هؤلاء الذين يدعون التحرر و الإنتساب للغرب .
                    ولذلك لم يكن غريبا أن تعتمد مجموعة الحاج عبدالرؤوف وجود رجل ينوب لديهم عن تلكم العصبة المجتهدة من النساء فيتابع حاجياتهن ارشادا وتوجيها و تذليلا ثم يرفع ما يصل إليه أمره معهن إلى الحاج عبدالرؤوف ولم يكن هذا الرجل إلا واحدا من أزواجهن ليسهل عليه التعامل معهن عن طريق زوجته .
                    تبادل الرجال على اختلاف مشاربهم وطبائعهم هذه المهمة ولم يكن من شرط يتحتم وجوده فيمن يقوم بهذه المهمة إلا أن يكون زوجا لإحدى الموجودات فانتدب لهن الريس عبدالحليم وحازم ومبروك و عاطف وإن لم يعمر معهن إلا الريس عبدالحليم لصبره وقدرته على الإستيعاب و هيئته الأبوية ثم لما انشغل فارق أما حازم ومبروك فلم يعمرا ، الأول لأنهن لم يقبلن ما يرونه من خشونة فيه وجلافة و الثانى لشدة تقصيره كما ظنن وكذلك عمر معهن عاطف و أى مكث وأى عمل هذا الذى ذلـله لهن !!
                    لقد كان دؤوبا سريع الحركة ذا نشاط و حرص على انجاح عملهن فشهدت الفترة التى أدارهن فيها شدة نشاط و إقبال عليهن و رعاية لعملهن وهو لا يألو جهدا وإنما يقوده فى ذلك الرغبة فى نجاح هذا الفصيل الذى يمثل نجاحا له ولما يدعو إليه .
                    واجتمعت النسوة على التعامل بتلقائية شديدة مع الريس عبدالحليم وعاطف يجمعهن جميعا الحرص على الخير وعلى استمرار تدفق أهل السفينة على مائدتهن ينهلن من خيرها .
                    لم تنحُ نهال نفس المنحى تماما وإنما حرصت منذ بداية ارتباطهن بالريس على كثرة الإتصال به وطلب العلم لديه وهو يجيبها إلى ما تحتاج منه بقلب مخموم وعاطفة نبيلة يدعوه إلى ذلك رؤيته هذا الحرص منها على التعلم و التفقه بينما ترى العيون الراصدة غير ذلك وإن لم يتهمها أحد بسوء إلا أنهم جميعا وقع فى خلدهم شدة حرصها على أن تستأثر بالنصيب الأوفر من صاحب الأمر و النهى فيما ترجو من قضاء المصالح لمن يتبعها من النسوة .
                 وثارت ثائرة المراقبين وتحدثوا فيما بينهم وإن لم يجرؤ أحدهم لا على نصحها و لا على تبيين الأمر للريس عبدالحليم رغم كبر حجمهم وضخامة مكانهم ولا غرو فقد كانوا الشيخ مهران و حازم و بصير ، فكانوا يلتقون على مائدة أدامها لحم نهال وعبدالحليم رغم نبل ما يدفعهم لذلك حتى إذا ما حانت لحظة الحسم والإتفاق غلبهم الحرص على المشاعر و الخوف من مظنة السوء فارتدوا على أدبارهم فاستحقوا أن يمثلوا أمام هذه التصرفات مثلثا للضعف ليس له مثيل .
                  واستمرت نهال فى سيرتها تلك واستمر الوزراء الثلاثة فى لقاءاتهم ، و ضيقهم و حيائهم القاتل و الحرص الزائد على المشاعر، تلك الصفات التى تجتمع على منع الحق وإيغار الصدور ومازال الأمر يتعاظم و يشتد حتى قيض لهم جميعا انشغال الريس عبد الحليم الزائد الذى اضطر معه لترك النسوة جميعا ليتسلم قيادهن عاطف وليتغير اتجاه تلقى العلم من قائد إلى قائد ومضى الأمر يشتد ومثلث الضعف يتعاظم غيظه ويشتد أوار استهجانه مع تغيير بسيط فقد انضم إليه الريس عبد الحليم ليكون رابعا وليرى وهو بعيد ما لم يره وهو فى غمرة العمل .
            وأخيرا لم يعد هناك مجال لتحمل مزيد من الضغط فانفجر البركان وطالت ثورته الأخضر و اليابس وأحرقت ثمار الأخوة التى كانت قد أينعت و نضجت و ألقى برماد أجدب ما اخضرَّ من علاقات المحبة وأواصر الصداقة حتى صارت القطيعة .
                     بدأ الأمر بحصار خانق للزيارات و اللقاءات و الأعمال والفكر وحلت نظرات الشك و التساؤل مكان نظرات الحب و العاطفة و تحولت الدار إلى سجن كبير بمحقق لا تنتهى جوانب تفكيره و لا تنطفئ شعلة نشاطه وهو يحسب الشاردة و الواردة وينقب خلف كل ما يمكن أن يقود إلى صيرورة ما ينبئ عن استمرار علاقة تقرر قطعها فى تحفز شديد لاستنبات معارك لا تهدأ ولا يهم أن ينهدم المعبد على الجميع ما دام أصحاب الشأن لم يلتفت منهم أحد لما ينبغى من مراعاة المشاعر والأعراف .
                  وفتح الجحيم بعضا من نوافذه يطل منها على ذينكم المنزلين وقد وقف الشيطان يرقص مزهوا ليقود السرب وأصرا على عدم التنازل ، نهال عما تظنه تنقيصا من حقها و اتهاما لخلقها أوجب لها حق تلقى الإعتذار من المتسبب …تلك التى أنشبت أظافرها فى سيرة صافية لأثنين لم يبغيا إلا صلاحا وتقوى وخدمة ودعوة ، وعاطف ما يراه من جرح لكرامته وتنقيص من تدينه وإخلاصه و كلاهما محق ولكنهما لم يريا أن ما يفعلانه وهما يتصورانه اندفاعا للخير إنما هو تهور غير محسوب ولا مراع لما يجب أن يراعياه من أعراف الناس و غرائز البشر حتى ولو كانوا من هؤلاء الصافية قلوبهم المخلصة نواياهم وكان لابد أن تكون آمال أيضا على حق وهى ترى هذا الإصرار العجيب على الإلتقاء و تسيير الأعمال من خلال هذا اللقاء رغما عنها وبعيدا عن عينها وكأنه نوع من الحفاظ على سر بينهما وتعارضت المفاهيم وتعدد الحق وانصرف كلٌ إلى الإنتصار لنفسه ولأن لعاطف ونهال سطوة هذا بالقوة فى منزله وتلك بالتدبير فقد انعكس ذلك حزنا عظيما لآمال خاصة وهى تُطاَلَب بالإعتذار عما لم ترتكبه من جنايات وقد تحولت من ضحية إلى جانٍ رغم ما حاولت برغم انفجارها احتوائه حتى لا يصل مداه إلى أبعد من جدران منزلها و علاقتها بزوجها ولكن عاطف لم يدرك فى فورة اندفاعه كل ذلك منها فأصر على ما يبغى مما تصور أنه سيغسل الجراح و يعيد الكرامة ، و اتخذ الموقف منحى صعبا وتصاعدت وتيرة التحدى إلى مزيد من الضغط منه ومزيد من الصبر و الرفض منها ونهال هناك تراقب و تطالب بحقها وتنادى بذبح الضحية بعدما صورت الأمر على ما تريد من الترتيب و التدبير فقلبت الأمور و زورت الحقائق .                        
           

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال ( الحلقة العاشرة)

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 21 يوليو 2011 الساعة: 22:20 م

مناورات

                        فى حديثه مع الرجل انصرف اهتمام الريس عبدالحليم إلى الضغط عليه من أجل الحصول على الضمانات التى طلبتها من أجل الرجوع ولكن الرجل برغم كم الضغط المبذول أظهر جلدا ومراوغة عجيبين فى سبيل ألا يرضخ لشئ ومع التجاذب المثير بين الرجلين سمعا طرقا على الباب …
-         من ؟ من بالباب ؟
ولم يتوان صاحب القمرة عن السير إلى الباب وهو يتساءل عندما أتاه صوت من الجانب الآخر ..
-         أنا جاركم ….
                    فتح الباب ليجد أمامه صاحب القمرة المجاورة التى تقيم فيها زوجته وقد جاء يساهم فيما هما فيه
-         والله لقد آثرت أن آتى لعلى آخذ أجر الإصلاح بين المتخاصمين
                    وكأنه قد جاء فى موعده فأنبرى الريس عبدالحليم يناديه ولم يمانع صاحب القمرة فى دخوله رغم ما لقى منه بالأمس القريب من تعنت فأفسح له الطريق مرحبا …
                    استأنف الرجلان ما انقطع من حديثهما و عادا إلى المناورة من جديد و الريس عبدالحليم يضغط و الرجل يناور حتى فاض الكيل بالثالث فانطلق منفعلا …
-         يا أخى .. الرجل يريد منك ما يضمن حق امرأة يا طالما ضيعتها وكأنك لا ترى لها حقا إلا فى أن تذل لك ؟!
                    لم يكن عبدالحليم برغم توجسه من سلوك الرجل يحب أن يتخلص منه فقد خطر له أنه يمكنه أن يستخدم الرجل فى المناورة و الضغط و إن خاف أن يفلت منه الحبل أو يفقد ما استهدفه من الإصلاح ولذلك فقد بادر إلى تهدئة الرجل وامتصاص غضبه وتأجيل ثورته إلى حين آخر .
-         أرجوك يا أخى تذكر أننى وإياك على رجاء الإصلاح فلا تنس ذلك .
-         يا عم الحاج أنت ترى ما يفعل الرجل .
-         لا .. لا .. انتظر سنصل إلى حل إن شاء الله .
والتفت إلى صاحبه مستأنفا حديثه مطالبا إياه بما يريد من ضمان حق المرأة ..
-         يا أخى ما معنى أن تستكتبنى حقوقا لها جديدة وهى تملك هذه الأوراق عند أهلها ؟
-         لا .. انس الأهل فقد خلفنا جميعا أهلنا و أصبحنا نحن الأهل .. هذا مجتمع جديد .
-         إذن فلنبدأ من جديد لماذا تطالبنى أنا بما تريد و لا تطالبها هى بما أريد ؟
-          بل ستعود إليك ولكن بعد أن نضمن لها ألا تهين كرامتها و ألا تعود إلى ما سبق و عاملتها به .
-         أنا آسف فلننس أمر الورق و لنبدأ صفحة جديدة ، أعدك فيها أن أوفى لها .
-         سبق أن فعلت ذلك مرات عديدة معها على اليابسة و لم تف .
-         جربنى هذه المرة .
-    حسن النية يثبت بالإستجابة لما نطلبه منك فإذا كنت تريد حقيقة عودة زوجتك و إذا كنت ستوفى فلماذا لا تعطينا ما نريد ؟
-         المسألة ليست جدلية ، أخبرتك أننى سأوفى فجربنى و هذا أقصى ما عندى .
                    لم يكن من المحتمل أن يصبر المرجل عن انفجار وشيك مع كل هذا الضغط العصبى و هذه المناورة من ذلك الرجل ، ولكنه مع ذلك قرر أن يصبر للنهاية وشجعه على ذلك طول نفس الريس عبدالحليم و حلمه الذى لا ينتهى و كأنه مخلوق من عجينة الصبر فقط ، لقد كان نموذجا عجيبا فى احتمال هذه الصفاقة و ذلك المطل ، ولكنه مع ذلك قرر أن يدخل اللعبة ، لعبة المناورات .
        - اسمح لى يا عم الحاج ، الرجل يريد منا صبرا عليه ، نعم قد نصبر ولكن من يصبر زوجته علينا إذا لم يفِ بما قطع على نفسه من تعهدات ؟
                    وهنا وجدها الرجل فرصة فلم يفلتها وقد رأى بداية انفراجة لمحنته مع الريس عبدالحليم والتى كاد من شدة ملله أن يسلم له بما يريد تخلصا منها .
       - نعم ..أنا أضمن لكم وسأفعل ما تريدون عربونا على حسن النية .
       - نعيدها لك مقابل نصف ما معك من مال على السفينة فى حال أخطأت فى حقها مرة أخرى ، اتفاق ودى دون أوراق .
                    أبتلع الرجل الطعم و رأى أنه لا مانع من أن يجيبه إلى ما يريد ولعله كلام سينتهى بانتهاء هذه الجلسة فقرر أن يعلن أنه ….
-         موافق .. موافق ياسيدى على ما تريدون .
-         إذن وبالنيابة عن المرأة أنا موافق
                    لم يستسغ الريس عبدالحليم ما يحدث ، لم يعجبه هذا الإقتراح ولم ير له فائدة تذكر و الرجل بهذا المطل فما يمنعه بعد اليوم من أن يكذب و ينكر ؟ وما الذى سيثبت لها حقها فى المستقبل عندما يحدث ما يخشونه ؟ أترى الرجل مل من ضيافة المرأة فأراد أن ينهى المسألة بسرعة ؟ أم تراه لا يدرى عواقب ما يفعل وهو يضيع حق هذه الأنثى ؟ أم هو أخرق لا يدرى ما يفعل ؟
-    يا أخى هذا الذى تقترحه ليس بصحيح ؟ وكيف تضمن ما لا تستطيع خاصة وأننا لم نتعرف إلا من بضع أيام وبداية تعارفنا مشكله أصلها المطل ( ملتفتا إلى الآخر ) سامحنى يا أخى .
-         يا عم الحاج أنا كفيل بذلك .
-         ( بانتشاء المنتصر ) أنا موافق يا ريس عبد الحليم ، أنا موافق
                    وهنا انبرى الرجل الآخر وقد تمكن من موافقة صاحبه على رغم عدم رضا الريس
-         إذن انتهينا لكن لو تسمح لى سأحضر شهودا من الركاب تقر أمامهم بما أقررت أمامنا الان .
-         نعم .. أنا موافق
-         ( بسرعة ) استأذنك يا حاج سآتى بالشهود
أخيرا شعر الرجل بتسرعه و خطأه فانبرى له مهدئا طالبا التأنى فى الخروج ..
-         ولم العجلة ؟
-         حتى تعود إليك زوجتك سريعا .
-    أنتظر يا رجل ، ليس الأمر بحاجة لهذه العجلة ، على الأقل لم نقم بضيافتكم على الوجه الأكمل ، ألم تر أننا منذ دخلتما فى كلام و حديث ؟
-         لا يهمك يارجل إعتبر حقنا مقضيا المهم أن نشعر أننا أصلحنا بينك وبين زوجك .
                    لم يكن الريس عبد الحليم مرتاحا إلى ما يحدث أمامه وشعر أن فى الأمر شيئا لا يراه هو خاصة و قد تحول غضب الرجل الشديد إلى وداعة وثقة فى هذا الزوج ولكنه حاول أن يتصبر للنهاية لعل فى الأمر ما فيه مما لا يدريه هو ، أما الزوج فقد رأى الخناق يضيق عليه وأن صاحبه يمكر به خاصة مع هذا الإستعجال الغريب على احضار الشهود مع ما رأى من تغير طبيعته النزقة المتحفزة إلى تلك الطبيعة الهادئة الطيبة فماذا يدبر له ؟ لذلك قرر أن يحيل الدفة إلى اتجاه آخر ينسى به صاحبنا أمر الشهود
-         يا أخى دعك من الشهود و اعتبر الأمر بينى وبينكما نحن الثلاثة و أنا ضمين لكما بما تريدان .
-    لا وإنما سندع الأمر لغيرنا فأنا كالخصم فى هذه المصالحة و أعتذر لك عما بدر منى لذا أخشى عليك من نزقى و انفعالى
-         يا عم أنا راض و لا يهمك
                    أدرك بحاسته أن الرجل فهم ما يريده به وأنه يريد الإنسحاب و التراجع فنظر إلى الريس عبدالحليم و هو يخاطب الرجل
-    يا سيدى نحن لا نريد إلا الخير وفى هذا كل الخير فلن نكتب أوراقا ولن نكلفك ما لا تطيق وإنما ما وافقت عليه هو ما سيجرى وإذا كنت ….
-         لا كنت ولا كنتم الأمر ببساطة أننى أتعهد تماما بما طلبتما منى و لكن أمامكما فقط وليس أمام أحد آخر .
                    وهنا حان وقت الإنفجار وبلغ السيل الزبى فقرر الرجل أن يترك نفسه على سجيتها تفعل به ما تريد مادام لن يرضى إلا بما يحله من حبل الإلتزام ، فكانت ثورة انطلقت فيها من فيه حمم طالت كل شئ فى الرجل ، حقيقة أن الإلتزام بأدب الكلام بعيدا عن السوقية الفجة كان إطارا يغلفها إلا أنها كانت تأكل الأخضر واليابس فى نفس الرجل وكرامته و مروءته و نخوته ، كانت حريقا مدمرا لم يستطع معه الرجل إلا أن يجلس مبهوتا بجوار الريس عبد الحليم فكأن الطير على رأسيهما ، هذا مذهولا لهذا التغير الشديد فى تصرفات الرجل و ذاك أدهشه الخوف فألجمه وكأن بيد صاحبه مقصلة يتحفز ليقطع بها رأسه .
                    لم يطل الأمر كثيرا حتى تمالك الريس عبدالحليم نفسه ووقف من مكانه يضع يده على فىّ الرجل طالبا منه السكوت و الرجل كأنه لا يسمع ولا يحس فقد بلغ به الإنفعال مداه فأعماه و أصابه بالصمم وما هو إلا لسانه ينطلق وكأنه فك من عقال و عيناه تقدحان شررا يطال كل ما فى الغرفة إلا الريس عبد الحليم الذى استطاع أخيرا أن يوقف هذا السيل الجارف والصخر المتحدر ، فتوقف الرجل وهو يلهث إنفعالا و يهتز اضطرابا وقد تصبب عرقا وكأنه خارج من معركة بالأيدى حارب فيها جيشا عرمرما ، فصبر عليه الريس حتى استفاق مما هو فيه ثم استأذن فى الإنصراف ومن ثم خرج بصاحبه لا يبتغى إلا النجاة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال ( الحلقة التاسعة )

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 14 يوليو 2011 الساعة: 09:43 ص

 

 
دأب
  
                    كاد النهار أن ينتصف عندما حركت سكون المكان طرقات خفيفة على الباب اندهشت لها نهال فليس هذا هو الوقت الذى يعود فيه مبروك فقامت إلى الباب متوجسة …
-         من ؟ من بالباب ؟
-          ( صوت نسائى رقيق ) .. السلام عليكم .
                    فتحت الباب ببطء تستجلى هذا الصوت و خالط صوتها صوت صرير الباب وهى تجيب .
-         وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
                    ولدهشتها كانت بالباب رحمة زوجة الريس عبدالحليم وقد مدت يدها مسلمة .
-         هل يمكننى الدخول .. لن أعطلك كثيرا .
-         على الرحب و السعة تفضلى .
-    الحقيقة أننا نقوم بجولة على السفينة ندعو أهلها لإرتياد المسجد فقد سمح لنا الرجال بيوم نجتمع فيه فلا أقل من أن نأتيك .
-         أهلا وسهلا أنا تحت أمركم .
-         إذن لن أعطلك كثيرا حيث يجب أن أمر على من بالجوار أبلغهن .
-         فبعض الشاى على الأقل أو أى شئ آخر ؟
-         اشكر لك ذلك فالوقت قصير .. السلام عليكم
-         يعنى .. ؟
-         لا تنسى .. يوم الأحد عصرا 
-         إن شاء الله .. لكن …
-         سامحينى احتاج إلى الإنصراف .
                    ابتلعت ما بعد "لكن " الذى كانت تريد أن تقوله وقد ظنته الأخرى اصرار على الشاى بينما ارادت أن توصل لها قدرتها على معاونتهم فلما خلت لنفسها علمت أن الصواب فيما تم على غير ارادة منها وأن تأتى المسألة من الرجال أصوب من استجدائها من أقرانها رفضن أم قبلن .
                    على أنها مع ذلك رأت أن تصبح على المحك وقد يأتى الأمر بطريقة عفوية فيصبح أمرا واقعا دون الحاجة إلى هؤلاء أو أولئك فعزمت ألا تتأخر عن يوم الأحد هذا وإذا كانت قد تأخرت أحدا فما الذى يضيرها لو تأخرت آحادا أُخر على أنها ستكون بين النسوة ترى وجوههن وتعرف أقدارهن و تعجم عقولهن لتعرف مداخلهن جميعا وهنا تستطيع أن تجد لنفسها مكانا بينهن فى انسياب ودعة .
 
                    وجاء الأحد الثانى و الثالث وبعدهم آحاد ونهال فى دأب على الحضور بذهن متوقد ويقظة شديدة فلا تترك شاردة و لا واردة إلا وكان لها عليها بصمة من حديث أو تعليق فكان من الطبيعى أن تعرف وتمتد لها الأيدى وتصبح معرفة بعدما كانت الأخرى بل وتشير فيؤخذ برأيها وتدنو من الصف الأول حتى لم يبق بينها وبين الصدارة إلا أن تأتيها الفرصة ، وعلى الجانب الآخر كانت رحمة ونهى معجبتان بها أيما اعجاب وكلما ذكر المسجد عند زوجيهما ذكرت حتى تحمس لها الرجلان فما أن سألهما الحاج عبدالرؤوف عن اشراكها فى ادارة لقاءات المسجد و أعماله حتى اثنيا عليها فطلب إليها إن يضمانها إلى فريق النسوة المشرفات على أعمال المسجد .
                    لقد كانت خاتمة سعيدة لمجهود كبير بذلته نهال للوصول إلى ما وصلت إليه من المشاركة مع هؤلاء النسوة فى أعمال المسجد وما يستتبع ذلك من علاقات بالنسوة فى السفينة تستنفذ طاقتها الحبيسة وترزق بها الأجر .
                    والحقيقة أن توابع أعمال المسجد لم تكن بالسهلة البسيطة وإنما هى جهد شاق ووقت يصعب الحصول على راحة معه ما بين أمر بالمعروف ونهى عن المنكر واصلاح لذات البين و عيادات للمرضى وتهانى لمناسبات سعيدة ومواساة فى الأحزان ،كن جميعا يرجين النجاح فى الأمر والنهى ويبذلن الجهد فى الأعمال الإجتماعية  لضرورة بناء علاقات جيدة مع الناس يجدن فسحة معها فى قبول الناس لحديثهن ونصائحهن .
                    وبرغم سبق الجميع لها فى هذا النوع من العمل إلا أنهن لم يجارينها فى القدرة على المكث خارج المنزل (الإعتبارى ) خاصة وقد قسمت وقتها بين الأخذ و العطاء .
                    حرصت منذ البداية على أن تبنى علاقة جيدة مع رحمة خاصة و قد رأتها تأمر وتنهى و تشير وتطاع لذلك جعلت لنفسها معها وردا غير عادى من التلاقى و الصحبة إن فى السكن أو خارجه و عينها دائما معقودة على الجليل من أمرها سلوكا و تعاملا حتى إذا ما غمض عليها شئ  استدركته بالسؤال مع تعمد ألا تباشرها به فتضجرها و إنما التخول و الإلتفاف ، وصاحبتها تزيد بها إعجابا و ثقة ومنها قربا و لها استشارة .
                    لم يبد عندها ما يثير الريبة و الشك ولم تكن كذلك ولكنها مهتمة لأن تصبح واحدة من هذا الفصيل ولا يعيب المرء أن يتخذ المشروع من السلوكيات للوصول إلى ما يبغى فوثق فيها الجميع و صرن يقدمنها فى أعمالهن و يتبنين أعمالها وصارت واحدة من تلك الحلقة الضيقة التى يدار بها المسجد و غير المسجد .
                    فرضت نفسها على قلوب الجميع ولم تتعمد ايذاء أحد بل واهتمت بألا يرين فيها إلا تلك الوافدة الحديثة التى تتعلم منهن وتأرز إليهن وتكتسب منهن ومما دعم وجودها هذا كون مبروك أحد الرجال المحيطين بالحاج عبدالرؤوف .
  
          عدالة حولاء
 
                    معادلة الغنى و الفقر ، تلك المعادلة الخبيثة القديمة الحديثة ، وإنما يتضع أناس بها ويرتفع آخرون ولم يكن أبدا مقياس الناس فى ظل زخرف الحياة إلا أسير هذه المعادلة الظالمة التى تؤخر كثيرا أهل العقل و الحكمة بينما تقدم غيرهم من السفهاء و غير ذوى النهى بل و يطغى الغنى الأغنياء لجهلهم فيحصر نظرتهم للأمور من خلال المال قياسا و تعاملا حتى أنهم ليستنكفون اقتراب الفقير منهم مهما بلغ من رجاحة العقل و حسن التدبير وقد تفك به عقدهم و تحل به أزماتهم غير أنه لا يذهب إلى أكثر من هذا ولا يطمع فى أن يكون واحدا من مجتمعاتهم و أنديتهم وإنما هو أداة لهم ينالون منها بغيتهم بما يناله من بعض فتاتهم إذا تطلع إليها وإلا فمعظم خدماته تطوعا من جانبه واستنزافا من جانبهم وهم فى هذا يرون ذلك تفضلا منهم عليه أن وطأوا أقدامه أرضهم و تنازلوا له فى أن يجعل له يدا عليهم هذا طبيعى فى دنيا الناس .
                    ويلجئ الفقر أصحابه إلى الإنزواء و التشرنق فى المحيط الذى يجمعهم بمن هم على شاكلتهم يتدثرون بإخلاق أخرى غير أخلاق الأغنياء ويحيون على ما لا يستنكفون التعامل به من سلوكيات التكافل و التراحم بين بعضهم البعض ومع أن موازين أهل الغنى و اليسار تحدوها المادة و بريق الذهب فإن لهؤلاء معايير أخرى يرون بها أنفسهم فالشهامة و المروءة و الود و التراحم و الشرف و الأمانة و النجدة هى ما يلجأون إليه و ينقص المرء بينهم بنقص أى من هذه عنده و يتفاضلون فيما بينهم بزيادة ما يزيد من أخلاق عن هذه الأخلاق .
                    ولكنهم وبرغم ما هم عليه لا يخلو الأمر من وجود أهل حكمة بين الأغنياء  يرون الحق فلا يجاوزونه ويعرفون موضع الحكيم ولو كان فقيرا فيقدمونه و يعتزون به ، ويحيون على غير ما يحيا عليه أهل طبقتهم من أسلوب تفكير و معايير حياة وقد ألقوا خلف ظهرانيهم ما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال (الحلقة الثامنة)

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 7 يوليو 2011 الساعة: 21:34 م

 

زيارات عائلية
 
 
                     لم ير هلال غضاضة فى أن يستقبل سميرا وزوجته فى قمرته وأن تقوم زوجته بالخدمة طالما أن الحشمة موجودة و الحدود غير متعداة خصوصا وأنه كثيرا ما لاحظ فرحها باستقبالهم و ارتباطها بزوجة الرجل و اهتمامها بها حتى أنها كانت تعود طفلة صغيرة يوم هذه الزيارة فى عواطفها و انفعالاتها حتى يظل ذلك منعكسا عليها اشراقا و حيوية وروعة لوقت كثير بعدها .
                        وأما هى فقد كانت تحب ذلك حقا لأنه يمثل بالنسبة لها فرصة لطرد شبح الوحدة و إعادتها إلى صخب الحياة و إشعارها بالحياة التى اقترنت لديها بالحب و الزحام و الحركة و هو ما خفف عنها كثيرا من انصراف زوجها على اليابسة على عكس ما هى فيه الآن من وحشة القبور وهى حبيسة هذه الجدران فى تلك الزنزانة الضيقة .
                    صحيح أنها ممتلئة بكل ما من شأنه أن يسمن و يرفه ويتنعم المرء به من وسائل حديثة للترفيه و ثمار من أطيب ما تجنى يدا انسان إلا أنها بلا أنيس ولا بشر زنزانة مهما بلغت سعتها .
                    بل أن أجمل ما فى هذه الزيارات المتبادلة أنها كانت تهبها فرصة الخروج الحقيقى من الزنزانة إلى حيث تتجول فى السفينة رائحة غادية بين القمرتين و أيضا تعطيها فرصة حقيقية للتنفيس عما فى صدرها من هجر الرفيق و انشغاله المميت على عكس ما يفعل الرجال مع زوجاتهم و لذلك حرصت هى على استمرار هذه الصداقة وأغدقت كثيرا على الزوجين لأجل استمرارها بل لم تكن تتصور أنها يمكن أن تنفصم عراها يوما .
                    وعلى الجانب الآخر رأت سلمى فى هذه العلاقة متنفسا و راحة من وحدتها على المركب تلك التى لم تجد من يملأها سوى هذين الزوجين و لقد نسيت مخاوفها من سمير رغم رقة إنجى و جمالها ولم تر فيها منافسا و إنما ملكا فى صورة صديق تعوضها فقد الأهل على اليابسة وتسكّن قلبها من مخاوفها من المجهول .
                     وأما سمير فقد كان صادقا فى اندفاعه نحو هذه العلاقة باحثا عما يمكن أن يكون عند هذا الصنف من الناس بما لم يره فى غيرهم ، لقد جرب التعامل مع أناس من معظم فئات البشر و مذاهبهم وورد مواردهم و تحدث بلسان كثير منهم متقلبا بينهم على قدر قناعاته و استفاداته من كل غير أنه مل الجميع ولم يجد فى كل من تعامل معهم إلا شرا كثيرا مشوبا بخير فلم لا يجرب حظه مع هؤلاء المهاجرين ؟!
                    لقد حدث كثيرا عن صدقهم و عزوفهم عن الدنيا و عن الشر الغائب عن حياتهم و عن طهارة مجتمعهم و قربهم إلى بعضهم البعض و حرصهم فى سيرهم على زملائهم فى الصف و إخوانهم فى الطريق .
                  ورأى منهم نماذج لو صدق ما رآه فيهم على من وراءهم من الآخرين لكانوا حقا مجتمعا يستحق أن يعاشر و أن يحيا المرء فيه خصوصا وأنه رأى فى هذين الإثنين ما يؤكد ما عنده حتى الآن .
                   والتأم اليوم شملهم فتناولوا العشاء  ثم جلسوا للسمر معا وقد انتحى كل بصاحبه فى أحاديث طويلة لا يقطعها إلا ضحكة هنا و شهقة هناك ودهشة حينا و آهة حينا آخر فى حديث لا ينقطع ليس مداره  إلا على بعض ما يتعلق بالدين و علاقات الناس و بعض نكات لطيفة تنفرج لها الشفاه ابتساما .
                    ومضى الوقت بهم جميعا حتى دهمهم انتصاف  الليل و شارف على صرم كل حدود السهر فانصرف الضيفان و بقى لهلال من هذه الليلة بشر زوجته و سرورها و غبطة و انشراح فى صدره لما هى عليه …
                لقد كانت حبه الكبير الذى ملأ دنياه و همه الكبير الذى ما يفتأ يدور به بحثا عما يضفى عليه من السرور ما يديم الحب بينهما ويزيل الوحشة .
 
 
الحقيقة
 
 
                    عاد وحده هذه المرة الريس عبدالحليم إلى القمرة يستجلى الأمر على مهل ويتعرف إلى ما قد يكون هناك من أسرار لا تريد المرأة أن تبوح بها و لعله لو عرف السبب لأصبح لديه القدرة على الوصول إلى حل .
-         سامحونى قد يكون الظرف غير مناسب لكن المسألة تحتاج إلى حل .
-         أهلا وسهلا ( قالها صاحب المكان فى اقتضاب )
-         ( وقد لاحظ لهجته ) .. أنا لست خصما إنما أنا سائر بالصلح والله يقول " إن يريدا اصلاحا .. "
-         " يوفق الله بينهما " صدق الله العظيم ، أنا أعرف لكن المسألة صعبة .
-         ما المانع فى أن نسعى معا فنأخذ الأجر ؟
-         بمعنى .. ؟
-         أنت لست طرفا فلا تجعل نفسك عرضة لوزر التخبيب .
-         نعم ؟
-         أقصد حمل الزوجة على الفراق ومساعدتها .
-         استغفر الله ليس هذا ما فى ذهنى ولكن أفعاله تغيظ
-         يا سيدى .. كثير من البيوت لا يقوم على الحب و إنما هى العشرة .
-         حتى هذه لا يبقى عليها الرجل ، لقد قصت علىّ زوجتى قصصا تجاوز الخيال .
-         فمن الصواب أن نعالج و الوصية أن نجعل آخر الدواء الكى .
-         أنا تحت أمرك .
-         الحمد لله .. لو تسمح لى أريد صاحبة المشكلة لأسمع منها .
-         المسألة فيها ما يخجلها .
-         سنحاول ألا نجرحها إن شاء الله .
                    ويبدو أن ظروف الإقامة مع غريب هى التى أحوجتها لأن تكون على هذه الجاهزية أو ربما تجهزت سريعا وعلى أية حال لم يحتج الرجل لأن ينادى عليها فقد تقدمت مطأطأة رأسها .
-         ها أنذا تحت أمركما
-    يا سيدتى .. لا أعرف كيف أبدأ ولكن ما حدث من ثورتك بالأمس القريب أشعرنى أن فى الأمر ما هو فوق الطاقة احتماله فآثرت الذهاب عن أن أضغط عليك ولكن المسألة فى النهاية لا بد لها من صلاح بينكما .
-         أنا لم أرتح يوما معه منذ ليلتنا الأولى ولذلك لم أعد أتحمل .. ويكفينى ما صبرت معه .
-         لكنكما الآن معا ، وقد وافقتيه وركبت معه السفينة وتركت الأهل ..
-         السفينة للجميع و مجيئى معه ليس لسواد عينيه وإنما للأرض الجديدة وأنا أعرف أنى سأهجره فيها .
-         بمعنى ؟
-         لو جئت إليها منفردة ربما لم يوافق أهلى وربما لا أجد فرصة على السفينة وأنا أريد هذه الهجرة .
-         فلم لم تطلبى هذا الفراق منذ وقت طويل لتتزوجى غيره فتأتين معه .
-         وما أدرانى أنى كنت سـأجد من يرضى أن يقـلنى على السفينة .
-    فما دام الأمر كذلك فليس على المركب من مكان تقيمين فيه منفردة ويصعب عليك مشاركة هذين الزوجين مكانهما .
-         عندى الحل يا سيدى .
-         ما هو ؟
-         الأرملة .. اشاطرها سكنها !!
-         صعب يا أختى ما تقترحين ولك زوج يريـدك وأنا سـأصلحه لك .
-         إذن فاسمع ..
                    مكث طويلا يسمع وهو مع انصاته يندهش لهذا الرجل ولصفاقة ما تقصه عنه و فجاجة ما يعرف من أخبار تسولها الذى كان يضطرها إليه منذ كان على اليابسة ولم يتغير الحال هنا رغم ما معه من مدخرات يحفظها كما يدعى ليوم حاجة ، وتحقيره لخلق الله كلهم و إهانته لها بسبب وبدون سبب و الضرب و الحرق وكافة صنوف الإيذاء البدنى حتى أنها لم تملك نفسها مع فرط انفعالها وفى مفاجأة لم تترك للرجلين فرصة للإشاحة عنها فكشفت ذراعها ليرى جرحا لم يندمل بعد وساقها ليرى آثار حرق قديم و .. كثير ذلك الذى عرفه من أخبار يندى لها الجبين ولا يمكن معها الإحتمال  .
-         قلت أنك لم تشكه لأحد من قبل على اليابسة ؟
-         ربيت فى بيت ليس من شيم أهله الشكوى
-         تعنين أن أهلك لا يعرفون شيئا من هذا ؟
-         لا ولو عرفوا ما استمعوا إلى ّ .
                    مال الرجل برأسه إلى الأرض يحاول أن يجد مخرجا من تلك المصيبة وهذا البيت الذى يوشك أن ينهار فليس من ثقافته أن ينفصل زوجان مهما كان السبب وليصبر أحدهما على فجاجة الآخر لتمضى بهما الحياة خصوصا فى هذه الحالة التى لن تجد المرأة من ينفق عليها وقد دفعت بنفسها إلى السفينة و ليس لها عليها إلا ذلك الرجل على مقتها له و ضيقها به .
- إذن وبما أنها المرة الأولى التى تظهر فيها خصومتكما فإنى اعتقد أنه سيرجع عما هو فيه خصوصا لو أظهرنا أمامه جهلا بما بينك وبينه وكأنك لم تقصى شيئا من أمره و سيظل يخاف الفضيحة ما دام مستورا مع العلم أن الأرملة لو وافقت علي أن يكون لها أنيس يجالسها فلن تستطيع الإنفاق عليك كما أنك هنا مع احترامى لضيفك ليس لك مكان و …..
        - لا … لا .. ليست لك الآخرة هذه فمع هذا الظلم لو أدى الأمر لأن أترك لها القمرة مع زوجتى فلن أخذلها ….
( أفلت ذلك من فِىْ الرجل سريعا من فرط انفعاله )

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال (الحلقة السابعة)

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 1 يوليو 2011 الساعة: 17:53 م

 

نصف اطمئنان
 
 
                    أرسل  القبطان يستدعى أحد الجنود الذين يترددون على مسجد الطابق السفلى إلى مكتبه فانتصب القلق لهذا المسكين يراوده وينافحه ويعصف به فلم يعهد فى حياته المهنية استدعاءا  من ضابط كبير أو صغير إلا وهو يعرف أن مصيبة معه سابقة عليه أو لاحقة له فما هى هذه المرة ؟!! ومن العجيب أن أول ما صك عقله تفسيرا لهذا الأمر هو المسجد فلعله يريد أن يحاسبه على التردد عليه وإلا فما الذى يجعل ضابطا فى حجم القبطان يبحث عن جندى صغير مثله ليستدعيه وكان حرى به أن يكلف به أحد الضباط الصغار على المركب أما وقد استدعاه هو فالأمر أكبر من أن يقف عند حد المحاسبة على تقصير فى أداء الواجب المهنى .
                    ولم يملك فى النهاية إلا أن يذهب ليستجلى الأمر وليقع ما هو واقع أفضل له من أن ينتظر ورفيقه القلق ، فلما وصل وقف طويلا أمام الباب وهو يقدم رجلا ويؤخر الأخرى ويرسل يده للطرق ثم يشدها إليه ولم يقطع عليه استغراقه فيما يقوم به من تصرف متردد سوى صوت أحد الضباط من خلفه فزع له فقفز إلى الخلف وهو يحاول الوقوف فى انتباه عسكرى مؤديا التحية ….
-         ماذا تفعل أيها الجندى ؟!!
-         استدعاء يا افندم .
-         ممن ؟!
-         سيادة القبطان يا افندم ..
-         هل هناك شئ ؟
-         لا أعرف سيادتك ؟
-         سأدخل و أبلغه أنك فى الخارج ..
                    وقف الجندى بعض الوقت خارج الغرفة وهو يضرب اخماسا فى أسداس ثم لم يلبث أن خرج إليه الضابط أمرا إياه أن يلج إلى القبطان …
-         أفندم ( وهو يدق الكعب بالكعب ويده إلى أعلى فى تحية عسكرية )
-         لا .. لا .. تعال هنا إلى جوارى ..
                    صعق الرجل ، ليس هذا عهده بالعسكرية ولا بهذا الضابط ولا بطريقة الإستدعاء ، لقد كان يتصور كما هى العادة كثيرا من التوبيخ مشفوعا بجزاء عسكرى لعظم المستدعى فإذا به يقول له ( إلى جوارى ) … ما هذا أهو طمأنة ما قبل الذبح ؟! لا .. ليس فيهم كل هذا الخير الذى يسوون به بينهم وبينه ؟
-         أنا مستريح هكذا يا افندم .
-         بل اجلس هنا قريبا منى ..
-         يا أفنــ….
وبصوت فيه غلظة وحزم ..
-         قلت لك اجلس قريبا منى .
-         حا.. حاضر يا افندم ( وجلس يرتعد )
                    ثم لم يلبث القبطان أن نظر إليه نظرة تختلف عن نظرات الضباط فى مثل هذه المواقف .
-         اسمع يا …
-         كرم يا أفندم
-         يا كرم .. اسمع أنا أعرف أنك تتردد على المسجد فى الطابق السفلى .
-         ………………..( ما زال يرتعد )
-         وأريد أن أعرف منك بعض أشياء .
-         ( متلعثما ) ….أأأمرك يا افندم .
-         هل هناك شيوخ يترددون على المسجد ؟
-         الشيوخ الذين يصلون بنا سيادتك.
-         لم أقصد هؤلاء .
-         لا أفهم يا أفندم
-         يا ابنى الشيوخ أصحاب العمائم .
-         يوجد واحد فقط لكنه ليس شيخا ، هو يرتدى عمامة وجُبة لكنه مدرس .
-         مدرس ماذا ؟
-         يقولون لغة عربية يا افندم .
-         هو المطلوب تماما .. اسمع يا كرم أريد هذا الرجل
-         حاضر يا افندم ( وقام للإنصراف وهو يؤدى التـحية العسكرية .
استوقفه القبطان وقد شارف على الخروج من الباب
-         بهدوء يا كرم
-         ( وقد وضع يـده خلف أذنه فى محـاولة لتركـيز السمع )  نعم ؟!
-         لا تكدر صفو الرجل ، اطلب إليه بهدوء أن يحضر إلىّ دون أن يخبر أحدا .. فاهم ؟ دون أن يخبر أحدا .
-         متى يا افندم ؟
-         فى أى وقت ياكرم .
                    وانصرف الجندى المسكين بنصف اطمئنان وهو يحاول أن يستجلى سبب استدعاء الرجل كما كان يحاول أن يستجلى سبب استدعائه هو فلما أعياه الأمر توقف عن التفكير .
                    وفىنصف اطمئنان آخر أنفق صاحب الزوجة المغاضبة  قليلا من الوقت فى صنع كوبين من الشاى أتى بهما متأنيا إلى حيث أجلس الريس عبدالحليم على أحد الكرسيين الموجودين بالقمرة ومن ثم سحب الكرسى الثانى وجلس قبالته ماداً إليه الكوب ….
-        

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال ( الحلقة السادسة )

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 23 يونيو 2011 الساعة: 06:58 ص

 

 
 
دِعَةٌ ودِعَة
 
 
                    انجى واحدة من أهل الطابق الأوسط ، فإذا شئت أن تجسد الرقة و النعومة فى حى من الأحياء فلن تملك تجاوزها قيد أنملة ، بل هى أرق و أنعم من ذلك وكأنما جاسا معا جميع قسمات وجهها وجسدها يقيسان هنا وهناك فيطرحان ويجمعان و يضيفان و يخصمان دون أن ينسيا ركنا ولا عطفة و لا ثنية من ثنايا الوجه و الجسد حتى يصبغانه رقة ونعومة و جمالا حتى إذا ما أدركا ذلك منها و انعطفا إلى لون البشرة فركبا منه ما يصلح لهذا كله من بياض مشرب بحمرة تثيره حرقة الشمس ونهشة الخجل فيشتعل احمرارا حتى يكاد الدم يتفجر منه .
                    وهى رقيقة المشاعر .. فى الضحك و البكاء و الصمت و الكلام و الإشارة و الأسماء دون تصنع أو تكلف .. إنها حالة فريدة من الرقة و النعومة حتى ما يدرى المرء هل عرفا بها أم عرفت بهما .
                    بل ولقد انعكس هذا كله على نفسها فغلب أحلامها و أفكارها و أخيلتها و أمانيها وساعدها على ذلك ما عاشت فيه من نعيم فى دار أبويها فدارت رحى عقلها على مثل ما درجت عليه وهى تنقب و تحلم بمستقبل حياتها وعلاقاتها و تصورها لفارس أحلامها .
                    ومن ثم انتقلت من دعة بيت النشأة إلى دعة بيت الزوج ومن حنان الأم إلى رحابة صدر الحماة ومن الخدم يطيعون أمرها و يصدرون عن رغبتها إلى الخدم ينفذون أشارتها و يتوقعون أحلامها ومن رحمة الوالد إلى …. شئ آخر .
                    وينتقل الإنسان عادة من اليقظة إلى النوم فى سلاسة ويسر إذا ما راق باله و اطمأنت نفسه فإذا ما كدر صفوها شئ ولو صغير جفاه النوم حتى ليوقظه الصوت الواهن الحقير .
                    وقد يروح فى النوم فيغرق فى سباته حتى إذا ما ركن الجسد و استراح زاره ما قضى على ذلك منه و استلبه إلى بئر لا قرار له و احتوشه ونهشه ليسرق طمأنينته ويدمدم راحته ويخنق أنفاسه ويضيق  صدره حتى ليحاول البعض الركض هربا فلا تطيعه قدماه ، أو يقاوم ما هو فيه متشبثا باللا أشياء فلا تطيعه يداه فيتحول كل ما حوله إلى هلام لا صلابة فيه وضباب لا رؤية من خلاله فلا ينقذه من هذا الأتون إلا صحوة مفاجئة أو لمسة عفوية أو حركة عنيفة فإذا ما عاد إلى الوجود عاد كدرا خائفا ضيق الصدر صعب النفس ..
                   وتتابع الأحوال يوجب انسجام التغيير إذا ما تناسقت الأسباب و الطرق دون نتوء مفاجئ أو خروج عن المألوف لذلك تؤدى النعمة إلى مثلها ويقود الشقاء إلى شقاء بلا وسط إلا أن يجئ ما يوقف هذا من نتوءات أو أحوال مغايرة .
                   وثمت قضية أخرى يقف الناس أمامها كثيرا دونما قدرة على سبر غورها أو التغلب عليها تماما وإنما هم فى اجتهاد مستمر فى أن يخففوا قدر المستطاع من رؤية الجانب المظلم فيها غير أن المسألة تعود دائما إلى تلك البطيخة المغلقة .
                      يقولون أن الزواج بطيخة مغلقة لا تعرف ما بداخلها حتى تفتحها فإما أن تجد ما تحب منها لذة و لونا و إما أن ترى ثمرة شوهاء غير ناضجة ولا سوية فتفرح للأولى وتتنغص للثانية وما بين هذه وتلك أنت فى محنة عظيمة .. محنة الإختيار ومحنة الإنتظار لما يسفر عنه الإختيار من حلو و حامض .
                    بدا زوجها رقيقا يوم رأته أول مرة واهتم بها كثيرا مما لم يدع لديها شكا فى صيرورته بديلا رائعا فى عاطفته نحوها لأبيها ، لقد غزا قلبها فأسره و فجر فيه طاقة من الحب عظيمة ونشوة ضخمة فصارت ترى بعينيه وتسمع بأذنيه وتتحدث بلسانه ، لقد سلمت له قيادها وانفعالاتها و همساتها ولمساتها فمرت عليها أيام الخطبة وأيام الزواج الأولى حلما جميلا رائعا لم تر سببا يدعو للإستيقاظ منه ولكنها …..
                    استيقظت فجأة .. نعم ها هى الآن وقد فتحت بطيختها فلم تجد فيها ما كانت ترجو وتحلم .. لقد فارقته الرقة التى ادعاها فصار إلى جفوة لا يراها فى نفسه وإن صدمتها ، فلم تعد تراه إلا لماما من أوقات اليوم حين يرجع للطعام أو يأوى إلى الفراش منهكا تعبا ليس فيه إلا كتلة من اللحم تلاصقها وقد أصابها الموت فإن استفاق فبغير مقدمات ولا سابق اعداد تراه يهجم عليها فيغتصب ما يطول من جسدها وبقايا روحها النازفة ثم يروح فى سباته .
                  وبرغم ذلك فلم تكن من ذلك النوع الذى تتحول مشاعره سريعا فيجفو لمقابلة الجفاء و إنما صبارة متأنية تجتر الألم و التشرنق و الأرق و السهاد على أمل عودة الصفاء إلى ما كدره الجفاء و تغير الحياة إلى الأفضل .
                    ويزداد الأمر سوءا و أوقاته انشغالا حتى ما عادت تطيق مجرد أنفاسه بالقرب منها برغم حبها له .. لقد صارت لهيبا يحرق الهواء من حولها فيكتم أنفاسها حتى إذا ما زاد دنوه أصابتها قشعريرة تحرق الجسد خوفا و النفس ألما ومن ثم تحول الحب الكبير إلى شئ آخر لم تعد معه تطيق هذا الرجل و إنما هى حياة تمضيها معه حتى لا توصم بالفشل .
                    ولقد جمعت الحلقة التى ألحق بها سمير نديم بينه وبين هلال عبد الواحد رغم انشغاله الشديد فى تجارته التى لم تنقطع على السفينة أيضا وإن لم تصل إلى مثل ما وصلت إليه على اليابسة كثافة وضخامة فكان الثانى يختلف إلى الحلقة فى الطابق السفلى رغم أنه من أهل الطابق الأوسط إلا أن عبد الحليم رأى أن يطعّم هذه الحلقات ببعض من يعرف من هؤلاء حتى إذا ما ازداد عددها و نمت وفاقت ما حدده لها من وقته تركها لهم على أن يوجههم إلى ما يصنعون .
                    لم يحكم علاقتهم تجاذب فطرى أو عاطفة عفوية وإنما هى حالة من القبول دافعها الفضول من أحد أطرافها و المساهمة فى جهود الإصلاح من الطرف الآخر .
                    وغذاها كثيرا الريس عبد الحليم بتوجيهات وتدريبات فيها من تزكية النفس و تقويم الأخلاق مدخلات كثيرة وفيها أيضا حض كبير على التآخى و التلاحم و الإندماج .
                    أما استقبال الرجلين لكل هذا فقد كان مختلفا ، إذ ساقت كليهما طباعه و عاطفته فى استقبال وتفسير هذه الإشارات و التوجيهات فأخذ هلال نفسه فيها بجدية و صرامة و تناول الأمر بصدق بينما ظل الآخر على فضوله وشغفه للمعرفة و إن مس قلبه بعض ما يسمع و يرى  بل و تأثر بجدية صاحبه ، و الحق يقال .. لقد حاول أن يغترف كثيرا من هذه المحبرة وهذه المرة لنفسه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال ( الحلقة الخامسة )

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 17 يونيو 2011 الساعة: 09:30 ص

 

 
ترتيبات
 
 
                     بدا المسجد خاليا إلا من نتف من الناس توزعوا هنا و هناك وقد انحازت الشمس إلى الثلث الأخير من السماء تعالج الإياب مغادرة نهارها فوق المركب إلى نهار فى مكان آخر فى سعيها الحثيث لتوديع أشعتها بالقسطاس على الكوكب كله .
                    وفى طرف المسجد وبجوار كوة من تلك المنتشرة حول الجدران جلس الحاج عبدالرؤوف وقد أمسك بيده مصحفا حاشرا أصبعه بين بعض الصفحات حتى لا يفقد ترتيبها وهو ينظر من الكوة متأملا سقوط الشمس وقد انعكس على صفحة الماء مترجرجا بترجرجه .
                    وبهدوء شديد اقترب منه مبروك ولمسه لمسة حانية خفيفة أعادته من تأمله بفجائية لا تستغرب لشدة استغراقه فى متابعة تلك اللوحة الرائعة خارج المركب ، وبحياء شديد ابتدره مبروك …
-         أنا آسف لم أكن أظنك مستغرقا إلى هذا الحد .
-         لا .. لا .. إنما جذبتنى روعة اتصال الشمس بالماء و هى تميل للغروب .
-         على أى حال لن أعطلك كثيرا .
-         خيرا ؟!
-    علمت زوجتى أن النساء من زوجات بعض إخواننا من أهل الطابق الأوسط يقمن بمجهود بين النساء على السفينة فى النصح والإرشاد و التعليم .
-         نعم .. هل تريد أن تنضم إلى إحدى الحلقات ؟!
-         لديها خبرة فى مثل هذه الأعمال و تستطيع أن تساعد
-         آه … ظننتها تريد التلقى لا الإلقاء !!
-         ……………………
-         عموما نخبرهن أن يضممنها إليهن لتساعدهن .
-         إذن هل أبلغها أن تذهب إلى واحدة بعينها ؟!
-         لا .. انتظر فقط إلى أن أخبرك بما تفعل .
-         أشكر لك اهتمامك و سأنتظر ذلك منك إن شاء الله و اعذرنى ، سأتركك لتأملاتك مرة أخرى .
-         ( ضاحكا ) لم تعد هناك حاجة لذلك وإنما ( مشيرا بمصحفه ) سأعود إلى ما كنت فيه .
                    وانصرف مبروك شاعرا أنه أدى المهمة التى عليه وما عودته بذلك الوعد إلا عودة الظافر لأن ذلك الرجل إذا وعد فمن ديدنه البحث والتفكير واستشارة من حوله و لاتموت لديه قضية لأن له ذاكرة يحسد عليها و إنما هى ذاكرة المهتم الدؤوب فلا بد إذن أن يعطيه جوابا قريبا .
 
                    وأما الريس عبدالحليم فقد كان همه هما آخر فقد لاحظ إقبال الناس على المسجد غير أنه لاحظ أيضا انصرافهم من المسجد على نفس الصورة وهم فى غدوهم و رواحهم لا يجمعهم فهم صحيح ولا تربطهم آصرة قوية وإنما هو الإقبال و الإدبار وهذه الصلوات التى يؤديها أولئك الناس على مدار اليوم دون انعكاس ظاهر على السلوك و العادات .
             قناعته الشخصية بأن هذا العوار فى علاقة الناس بالمسجد وعلاقاتهم ببعضهم البعض وسلوكياتهم التى لا تنبئ   عن صلة من أى نوع بكتب الفقه و التزكية و غيرها إنما ينطلق كل ذلك من جهل بما هم مقبلين عليه و ضبابية فى رؤية المستقبل المنظور .
             صار همه الشخصى أن يصل إلى أولئك الناس ناصحا ومعلما بعيدا عن المسجد فى صورة هى أقرب إلى الإتصال الشخصى منها إلى اللقاء العام فى المسجد فمضى يتعرف إلى من يقترب منه فى المسجد الآخر الجديد ويحاول أن يبنى من العلاقات ما يصل به إلى القرب من مغاليق شخصيات أولئك الذين يتعرفون إليه ليسبر غور نفوسهم  ويفتح كنوز اسرارهم فانطلق فى الطابق السفلى من قمرة إلى أخرى ومع كل قمرة جديدة فتح جديد له ومعارف جدد وهو فى هذا التنقل الكثيف يمضى ناصحا هاديا .
                انتقل الناس من اليابسة إلى الماء بنفس أحجياتهم وعاداتهم و أخلاقهم و مشاكلهم و تداعياتهم ، صحيح أنها اختفت فى بداية وصولهم إلى المركب لفرط الحماس و الإنشغال بترتيب الأوضاع و تحسس الأغيار إلا أنها سرعان وبمرور الأيام ما انكشفت وزال عنها غطاء الإخفاء و الستر .
                 سهل ذلك مهمة الريس عبدالحليم فى الإنتشار بينهم فأضاف إلى  ما كان يقوم به بينهم شيئا آخر فقد ملك قدرة عظيمة على استيعاب الناس و الدخول إلى مشاكلهم وعرفوا ذلك منه و البسطاء عادة ما يقبلون الأغراب بسرعة فى أحوالهم ومشاكلهم و علاقاتهم خاصة إذا قدم لهم من نفسه ما يوحى لهم بالثقة .
                    لم يكتف بمثل هذه العلاقات و الأفعال برغم أنه وصل بها إلى النخاع و القلوب و استحوذ على ألباب الناس إنما راح يؤلف من الرجال حلقات من فئاتهم المتجانسة وأجرى لهذه الحلقات دروسا ومناهجا يبنى بها النفوس ويزكى الأرواح ولقد حرص على صغر عدد أفراد كل حلقة لعلمه بأنه كلما زاد قرب المربِى من المربَى زاد تأثره .
                   سلم له كثير من هؤلاء القوم قيادهم وأطلق لأفكاره العنان فى تكوينهم وتصفيتهم وهو مع ذلك لا يرى أنه يستحدث نظاما جديدا وإنما هو استدراك لما كان منه على اليابسة مع الحاج عبدالرؤوف و الشيخ مهران وكثير ممن احتلوا الطابق الأوسط ومازالوا عليه وإن لم يستأنفوه بعد .
                  ولأن جميع من على السفينة بلا استثناء ركبوا بإرادتهم الشخصية وقد اقتنعوا بفكرة أولئك الرهط من سكان الطابق الأوسط فى قصدهم هذا الهدف النبيل الذى يمثل للجميع غاية المنى وأرض الأحلام أو مقودين بدافع الفضول الشديد لإستكناه ما يمكن أن يوصل إليه مثل هذا الرحيل من خير فإن أغلب من اعترض الريس عبدالحليم طريقهم استجابوا له بأحد هذين الدافعين أيضا فزاد عدد من اتبعوه وعظمت له الحلقات الفردية و انتظموا فيها  .
              و كان سمير نديم أحد الذين انضموا إلى تلك المفردات المكونة لإحدى هذه الوحدات التى كونها الرجل ، لم يهتم بأن يقتنع بما استمع إليه من وجود البناء الروحى داخل محاضن صغيرة ولايهم أن يكون له حاجة إلى البناء أصلا و لكنه الفضول يسوقه من جانب و على الجانب الآخر فلا بد أن يكون له مكان بين هؤلاء الناس من أصحاب الطابق الأوسط و خصوصا عندما تحط المركب رحالها على الشاطئ ويبدأ السامر وينصب المخبّون حفل توزيع الأنصبة وإن فاته عندها أن يدرك سدة القيادة فلا أقل من أن يكون حتى ولو فى الذيل أما ألا يكون مطلقا فهذا ما لا يرضاه .
                    هو لا يبحث عن شئ كثير ولا يرغب عما يجيد من أعمال فرغباته بسيطة و صنعته مما يتمناه كثير من البشر .. إنها القلم و المحبرة و أداته الكلمة و صوغها وهو من أولئك الشطار الذين يغزلون برجل حمار غير أن غزله ليس كالغزل وإنما هو ألمع الغزل وأشده بريقا وهو يستطيع أن يكتب بكل الأقلام وأن يغترف من جميع المحابر وإنما يكفى أن يغسل قلمه من المداد السابق ليستوعب مدادا جديدا دون أن يؤثر ماضيه فى حاضره ولن يعدم وسيلة يستطيع بها أن يحصل على دواة جديدة تناسب هذه الرحلة وتناسب أهلها ويكفيه فى بداية علاقته بالريس عبدالحليم أن يفتح له كثيرا من القضايا التى ت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال ( الحلقة الرابعة )

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 10 يونيو 2011 الساعة: 19:20 م

 

وفاة
 
 
                       صرخات عالية مفزوعة جاءت من إحدى قمرات الطابق السفلى ففزع إليها زحام شديد من الركاب ثم ما لبث هذا الزحام قليلا حتى انفض إلى تجمعات صغيرة من الرجال فى القمرات القريبة بينمـــا انصرفت النسوة إلى صاحبة المصيبة يجلسن إليها ليواسينها و يصبرنها .
                    لقد مات زوجها .. لم يكن مريضا وما اشتكى وإنما وقف يصلى فركع وسجد ومات .. وهكذا دون مقدمات وخلَّفها ملتاعة وقد أصابتها لوعتها بلوثة شديدة ذهبت بها المذاهب فراحت تقص على النسوة …..
-         لم يخبرنى .. لم تكن هناك بادرة أبدا تقول أنه سيتركنى
-         …….
-         لو أعلمنى فقط قبل الرحيل لما تركته يفعل ذلك فى عرض البحر و لكنت تركته على اليابسة يموت بين أهله .
-         …….
-    آه من هذا الموت …. لم يخطف الأحباب فجأة ؟! لقد كان معى يحلم بالسفر…بالأرض الجديدة .. بالخير القادم .. لم يكن يعرف أنه لن يصل إليه ….
-         …….
-         لا بد أنه كابوس ..كابوس شديد أحتاج لأن استفيق منه .
                    انصرفت النسوة لتهدئتها و تخفيف الصدمة عليها و لكن الفاجعة لم تدع لغير الذهول و الحزن والإنفعال موضعا و استمرت النسوة يتناقلنها بينهن حتى هدها التعب فسقطت  .
                    وهناك وفى الأعلى جلس الحاج عبد الرؤوف  ورفاقه و بعض من هزهم المصاب من جيران المتوفى …..
                    وبرغم أن الحدث أصاب الجميع بحزن شديد حتى تركت آثاره و جوما على وجوه معظم مرتادى المسجد وانصرافا من البقية إلى الصلاة هربا من وطأة الحزن و استدباراً لرهبة الموقف إلا أن ما بدا على الجالسين فى حلقة الحاج عبدالرؤوف كان شيئا آخر .
                    بدا الجميع فى نقاش حاد حول مسألة التعامل مع جثة هذا المتوفى وما يجب أن يكون لأن الحدث غريب عليهم .
                   ميت فى البحر .. ماذا يفعلون ؟َ! ولو حدث هذا على اليابسة لما احتمل وقتا لأن المسألة هناك محسومة معروفة فخشب الغسل فى كل مسجد وكذلك النعش بينما قماش الأكفان لا أسهل من الحصول عليه فما بقى ؟! الصلاة ؟؟ بسيطة .
                    أما أن يكون هناك مكان للدفن على الأرض فهذا ما لا يشك فيه انسان ففى الأرض سعة لا تحتاج الجثة منها إلا إلى مترين مهما طغا صاحبها و تجبر و ملأ الدنيا صياحا و ضجيجا فى حياته …..
                    أما هنا فى البحر فهذا فوق الإحتمال .. ماذا يصنعون بالميت ؟ !!!!!
-         نحتفظ به حتى نصل إلى البر
-         متى سنصل و هل تضمن وقتا قريبا قبل أن يتعفن الجثمان ؟                 
-         توجد بالتأكيد ثلاجة هنا
-         يحتاج الأمر إلى التأكد من هذا
-         فماذا نفعل إن لم نجد ؟
-         اسألوا أهل الذكر …
-         من هم أهل الذكر هنا ، ها نحن جلوس معا ؟؟
-         لا لا .. أهل الذكر هنا هم سلطة المركب .. القبطان
-         ماذا تعنى ؟
-         نسألهم عما يصنعون فى مثل هذه الأحوال
                    طلب الحاج عبد الرؤوف من الريس عبد الحليم أن يذهب إلى القبطان يسأله عن هذا الأمر غير أن حازم أشار على الجميع بأن يذهب أكثر من واحد حتى إذا ما تعرضوا لموقف يحتاج أخذ قرار فورى فيمكنهم أن يساعدوا الرجل فى المشورة و الرأى فوافق المجتمعون على أن يذهب مع الرجل حازم و عاطف .
                   وفى الأعلى وقف القبطان فى مؤخر السفينة و معه كبير الضباط و أحد الضباط الآخرين يتدبرون بينهم حديثا عما ينبغى فعله فى الجثمان أو إن شئت قلت يتدبرون ما سيواجهون به رد فعل الركاب تجاههم عندما يعلمون أن التقاليد البحرية تقتضى إلقاء الجثمان فى البحر خصوصا إذا ما طالت الرحلة والتى يعرفون أنها ستطول …
-    يا أفندم هذا صحيح لكن هؤلاء الناس لم يعرفوا ذلك ولم يألفوه وهم يتعاملون مع الموت بحساسية شديدة ولن ينظروا إلى المسألة من زاويتنا .
-         هم الآن على البحر فى مركب نقوده نحن ، فإذا ما فهموا ذلك فلا بد من رضوخهم لما نأمر
                    وفى مفاجأة للضابطين اندفع الضابط الثالث الواقف بينهما يتساءل …
-         يا افندم .. قبل كل هذا ألن نجرى تحقيقا فى الوفاة نفسها فربما أن فى الأمر شيئا آخر ؟؟
-         ماذا تعنى ؟
-         هذه هى العادة ونحن لم نكن معهما فى القمرة عندما مات ، ولربما أن فى الأمر جريمة فهل نترك الأمر  هكذا ؟
-    يا علاء .. هذا الصنف من الناس أبسط مما تتخيل ثم إن الجميع يقصد أرضا يرون فيها الخير و الطهارة فإذا كانت هذه نيتهم فكيف يقدمون على مثل ما تفكر فيه ؟!
-         من واجبى كضابط أن أنقب عما أخشاه فإذا اطمأنـنت فلا بأس .
-    على أى حال نرسل أولا الطبيب لفحص المتوفى فإذا وجد ما يريب فلك ذلك و إلا فعليك بإعداد الترتيبات البحرية للتخلص من الجثة .
-         أمرك يا أفندم ( قالها وانصرف )
                    ما كاد الضباط ينهون حديثهم حتى رأوا وفد المسافرين قادما إليهم فوقف القبطان و كبير الضباط فى انتظارهم حيث ابتدر الريس عبدالحليم الرجلين بالتحية
-         السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
-         وعليكم السلام … ما قصة المسجد الموجود فى الطابق الأوسط و الآخر بالسفلى ؟
                    تجاهل الريس عبدالحليم سؤال الرجل و حاول أن يحول دفة الحديث إلى ما يريد هو ..
-         جئنا اليوم نتساءل عن المتوفى ونطلب إليكم أن نضعه فى ثلاجة المركب حتى الوصول …
-         لم تجب سؤالى يا هذا ….!
-    لم نغير فى بنية السفينة بهدم أو بناء وإنما كل ما حدث أن أعدنا صياغة إحدى القاعات التى لم تعد لنا حاجة بوظيفتها السابقة فحولناها إلى وظيفة أخرى نافعة .
-         لا أسأل عن هذا …
-         فعم إذن ؟!
-         ألم تعرفوا أنه يجب أن تستأذنوا قبل أى تصرف فى أى من منشآت السفينة ؟
-         لم نر فى المسألة ضرر و …..
                    وهنا رأى القبطان أن يدع للأمر فسحة بينهم فهو يعلم أنهم لم يقترفوا مخالفة جسيمة بالإضافة إلى أنه يرى أنه قد يحتاج إليهم فى ادارة بعض أمور المركب فيما بعد .
-عموما لن أحاسبكم على ما تم بقانون البحر و سأعتبر ما حدث جهلا بأعرافه على ألا يتكرر مثله فى المستقبل …. ماذا تريدون للمتوفى ؟
- أن نضعه فى الثلاجة حتى نصل إلى البر .
هل لديكم دراية بأعراف البحر ؟
-         لا .
-         إذن فلتعلموا أننا نجهز ترتيبات الدفن .
                    وهنا أدرك الرجال الثلاثة اندهاش شديد من غرابة ما سمعوه ، و ابتدر عاطف القبطان وهو ما زال مستغرقا فى دهشته لم يستفق منها .
-         هل يعمل بناة السفن حسابهم للموت فيبنون مدفنا على ظهرها ؟
                    وبابتسامة فيها الكثير من السخرية أجابه الضابط ..
-         لا
-         فأين إذن يمكن دفن هذا الرجل ؟
-         حيث يُدفن المقيمون فى البحر .. داخله .
                    عرف حازم أن هذه الإجابة سوف تستفز صاحبيه فرأى أن يقوم بدور الملطف لعناصر الحوار.
-         برغم أن هذا هو عرف البحر يا سيدى إلا أننا سنرجوك أن تخالفه .
-         ولم ..؟!
-    لأنه يخالف أعراف الناس ويثير اشمئزازهم و لربما سبب من الأثر السئ ما لا ترجون وجوده على المركب مع امكانية وضع الجثمان فى الثلاجة ولن يطول الأمر .
                    كان يحاول أن يدغدغ عواطف الرجل ويهز قناعاته ويحرك فيه الخوف من الثورة وهو يدرك علمه كضابط بما أحدثته ثورات العامة والتى يعرف العسكريون تماما ماذا يحدثه فيها من انطلاق من يسمونهم بالرعاع لكن ذلك لم يفت فى عضد الرجل
-         لا .. وإنما يجب أن يفهم هؤلاء الناس أن هذا هو البحر و هذه هى علاقتنا به كما أن هناك سبب آخر ..
-         ……………..
-    الثلاجة الموجودة على السفينة ملآى عن آخرها بالأطعمة من أجل الركاب ولا يمكن إخلاء ما فيها كما أن كثيرا من الركاب لن يقبلوا أن توضع جثة بجانب أطعمتهم فى الثلاجة مع العلم أن وجود الجثة أيضا بجانب الأطعمة سيتلفها
( وهنا تدخل الريس عبد الحليم وهو يحاول أن يبدى تفهمه )
-         نحن نقدر ظروفكم حقيقة ولكننا نحتاج إلى أن تنظروا للجثمان نفس النظرة من التقدير فإن له حرمة يجب أن تعتبر .
-    إذن أنا أضع الأمر بين أيديكم ففكروا معى .. ممنوع وضع الجثة فى ثلاجة الطعام وممنوع بقاءها معرضة للتعفن على ظهر المركب تأمينا للركاب من الآفات التى يمكن أن تتسبب فيها جثة متعفنة .
                    وعلق عاطف ساخرا ..
-         سليم لا تكسر .. ومكسور لا تأكل .. و كل حتى تشبع .
-         ما معنى هذا الكلام ؟
-         هذا مثل عندنا يعنى أن سيادتك تحاول خنق كل تصوراتنا عن الحل .
-         لا وإنما أنا نفسى لا أريد أن أصادم مشاعر الناس ولكننى لا أملك إلا تطبيق ما أعرف من قانون و لغة البحر .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهال الحلقة الثالثة

كتبها حمدى عبدالظاهر ، في 2 يونيو 2011 الساعة: 15:20 م

 

 
 
 
نسوة
 
 
                    ولأنهن لم يتعودن المكث كثيرا داخل أربعة جدران فقد كن يرين فى مساكنهن الضيقة هذه داخل المركب سجونا متحركة سرعان ما يهربن منها إلى حيث الضجيج و الحياة فى قاعات الطعام و الرياضة وغيرها ، بل إن معظمهن كن يفضلن الخروج إلى السطح فيفترشن الأرض متعرضات للشمس آخذات فيما يتفق لهن من الحكايات والقصص .
                    وهناك التقين .. أفراح وسمية و هدى ، جمعتهن صحبة قديمة قبل صعود السفينة ، وقُرْبُ رجالهن من بعضهم البعض أزكى هذه العلاقة خاصة وأن قمراتهن تكاد تكون ملتصقة إلى بعضها فما أن يخرج الرجال حتى يتنادين فينتقلن إلى حيث سعة القاعات و الممرات حتى إذا أشبعن رغبتهن فى الإنطلاق قفلن عائدات إلى السكن .
                    لم يبد على أى منهن شوق وظمأ إلى ما يصبو إليه باقى الركاب وإن اتفقت مشاعرهن على ضرورة متابعة الرجال ورفقتهم لذلك لم تكن الهجرة تأخذ حيزا كبيرا من وقتهن وإنما هى مساجلات النساء عن صنوف الطعام  و طاعة الرجال و راحة كن فيها وسعة قبل الرحلة وفى النهاية يسلمن جميعا بالواقع وبانتظار الأيام لكى تبدى لهن ما هن مقبلات عليه .
                    كنّ فى عمومهن من ذوات الفطر الطيبة و النفوس الساذجة ، متدينات تدين الفضليات لكنه بلا فقه و لا تمذهب ، حريصات على العبادة نعم ، ولكن هذا أقصى ما يرتجين من مظاهر التدين بلا حافز أو دافع يدفعهن للقيام بأكثر من هذه الصحبة وهذا التبعل الحسن ، على أنهن كن متفاوتات الطبع فتميل أفراح إلى مكر وعقل بينما لا تستوعب نفس هدى إلا سذاجة فطرية يقابلها ملامح وجه سمية التى تحمل حدة وتصميما عكسا واقع ما بداخلها .
                    غير أنهن اليوم لم ينفردن ببعض كالعادة وإنما انضمت إليهن ضيفة جديدة عرفنها على السفينة ولقد أذابت تحيتها المستمرة لهن كثيرا من جفاء العلاقة و غربة المشاعر ، فصار انضمامها إليهن يسيرا مرحبا  به .
                    إنها نهال تلك الإضافة الجديدة إلى هذه الحلقة من النسوة وهى جذابة الحديث لدرجة أنها انضمت إليهن غير معروفة لهن فما قامت إلا وهى أثيرة عندهن وقد أسرت قلوبهن بحديثها وآمالها و أحلامها ورغبتها فى أن يكون لها ولهن دور تحيى به ما يجب أن يحيا من أخلاق الناس وخصوصا فى الطابق السفلى لأن أهله أكثر المحتاجين إلى من يقوم تدينهم ويمسح الغبش عن نظرهم .
                    وأما هناك ففى إحدى القمرات وقد علت أصواتهن وكأنهن يتلاحين جلست مجموعة من النسوة يتناقشن فيما بينهن عما يجب أن يقمن به تجاه الأخريات على السفينة .
                   على اليابسة وقبل هذه الرحلة كن يلتقين على العمل بين النساء يعلمنهن أمور دينهن ويأمرن و ينهين و ديدنهن فى ذلك المعروف و الخير و الأجر و الجنة ولم يكن يضايقهن أبدا جهد زائد عن الحد أو عمل خيرى فوق أعمال بيوتهن وكن كثيرا ما يعانين مشاق مشاحة الأهل و الناس بل وتبرم الأزواج على تدينهم من كثرة الخروج من بيوتهن ، أما ما كان يثير سخطهن الدائم فهو انحراف البعض المنكَر عن الإلتزام الخلقى و التدين الحقيقى وما صدهن ذلك عما قمن به يوما ولا حتى صد بعض الناس لهن .
                    قامت علاقتهن فيما مضى على عهد وثقنه بينهن وبين أزواجهن ألا يتركن فعل الخير و الدعوة ما دام فى الصدر قلب ينبض ولقد وفين فيما مضى فهل يصبرن على ما هن مقبلات عليه ؟
                    رحمة ونهى و هند وآمال وهدير .. طباع تختلف وتتفق وتتراوح من النقيض إلى النقيض .. الحلم والأناة و الثورة و النقاء و العاصفة .. انهن هؤلاء جميعا غير أنه جمعهن حسن النية و الطوية وتحمل كل منهن للأخريات محبة و حسن ظن وإن تصادمت الطباع و الآراء أحيانا ، وقد يختلفن و يتساورن إلا أن الحرص على روابط الحب   جعل كلا تتنازل ولو عن كثير من حقوقها للآخرين .
                    انفرط اليوم عقدهن وقد رتبن أحوالهن وأعمالهن وامتزاجهن بغيرهن من النسوة من أهل الطوابق الثلاث وقد رأين ألا يبدأن من الأحلام إلا بأضيقها فإذا ما سار بهن الوقت فستتسع الرقعة ويزداد الحشد إلى أن يستوعبن الجميع غير أن لملمة شمل أهل الطوابق جميعا كانت أهم ما انشغلن به .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                   
 
 
 
 
 
 
 
 
المسجد
 
 
                    لم يأبه  مصمموا السفن  لبناء مسجد فيها خاصة وأن السفينة فى حركتها لا تفتأ تغير أوضاعها فتتغير اتجاهات جدرانها وبالتالى لا يصبح وضع قبلة ثابتة من الأشياء المفيدة على السفن مما حمل المصممين على ترك التفكير فى مثل هذا الأمر .
                    أما المسافرون ففى العادة تكون علاقتهم بالسفر قصيرة غير ممتدة و غربتهم على البواخر غربة الذى لا مكان له ولا دار إقامة وعلاقاتهم بها محدودة كما أنه ليس كل المسافرين يحتاجون إلى صلاة لها مسجد وإنما يتوزعهم اختلاط الديانات لذا لا يمكن اجتماعهم على المطالبة بمثل هذا المكان .
                    ولكن الحال على هذه الرحلة تغير لأن أمرها جمع الحاجات جميعا فمن طول الرحلة واجتماع المسافرين على اتجاه وحيد إلى سابق معرفة الجموع ببعضها و تدين الجميع فما الذى يمنع تخصيص مكان لمسجد ؟ ! وأما تغير اتجاهات مقدم السفينة وجدرانها فتحديد قبلة لكل صلاة يعالج هذا القصور .
                    كان هذا ما دار بذهن الحاج عبدالرؤوف وهو مقبل على الصلاة وحيدا فى قمرته وهو الذى لم يألف ذلك ، فانصرف بمجرد الفراغ منها إلى حيث رفيقه الحميم الشيخ مهران والذى اكتشف أن الأمر يؤرقه هو أيضا فانتهيا إلى الإجتماع بباقى فريق خدمة ركاب الطابق الأوسط .
                    اظهر الجميع نفس العاطفة و الحماس نحو تخصيص مكان للمسجد ، ولكن أين وكيف حيرتاهما بعض الشئ فلذلك حساسيته ولكل غير مألوف مستنكروه وليس من السهل على طاقم السفينة وهو المرتبط بالتقاليد البحرية الموروثة أن يسلم لهم بما يريدون بسهولة .
                    عصف بهم الفكر كثيرا حول ما يمكن أن يقوموا به لأجل هذا الغرض النبيل ولم يصلوا إلى شئ وأخيرا تحدث الريس عبدالحليم وكأنما يحدث نفسه …
-         أول مشكلة فى رحلتنا لا نستطيع لها حلا ؟! لا أظن أننا أعجز من أن نقوم بهذه المسألة .
                    اعتبر الشيخ مهران هذا الكلام انتقاصا من قدرات المجموعة فانبرى مدافعا عن وجهة نظرهم …
-         ليس عجزا ما نقوم به وما دمنا نفكر فلسوف نصل إن شاء الله .
-         إذن فلننجز ما بدأنا لأن المسألة أبسط من أن نقطع فيها كل هذا الوقت .
                    وقطع بصير حديثهم منتهكا حرمة الصمت التى فرضها على نفسه منذ أول اللقاء فبدا وكأنما هو خارج من جب عميق .
-         المسألة أبسط من هذا التعقيد كله ونظرة بسيطة على خريطة الطابق ستسهلها لكم .
وتساءل الشيخ مهران فى دهشة ……….
-         كيف بالله عليك يا أخى ؟!
-         لدينا أربع قاعات للطعام والرياضة والكافتيريا و الرقص فأيهن نختار إذا أردنا الإستغناء عن واحدة ؟ !
                    فأجاب الحاج عبدالرؤوف بصورة عفوية …
-         لا حاجة لنا جميعا فى الرقص.
-         إذن فهذا أول القرارات ثم هل ستستأذنون فى استخدامها أم لا ؟
-    ولم نستأذن فى مثل ذلك  ؟ ! الصالة فى طابقنا وإذا لم تحول إلى مسجد ستصـبح مـهجورة فـما الـذى يسـتفز طـاقم المركب ؟ !
                    وأتم له الشيخ مهران وقد بدا عليه الإستنفار و الجد ….
-         كما أن استئذاننا فى مثل هذا الأمر البسيط قد يجر علينا مغبة الإستئذان فى كل شئ بعد ذلك .
                    وهنا دفعت وطأة الوقت المنفق على المناقشة الجميع إلى الموافقة على المقترح خاصة وأنه لقى رضىً نفسيا لديهم فأنهى الحاج عبد الرؤوف اجتماعهم وانصرفوا تاركين أمر تجهيز المكان لعاطف .
                         عاد مبروك إلى قمرته وقد بدا على وجهه فرح وارتياح مما توصلوا إليه فى لقائهم مع الحاج عبدالرؤوف وحقيقة الأمر أنه عبيط القلب طيب النفس يفرح للخير كثيرا ويهتز له ويطرب وهو من ذلك النوع الذى لا يجيد المكر ولا يعرف أساليبه بل والأصعب أنه لا يفرق كثيرا فى الناس بين الماكر والصادق بل يستطيع مكير صغير أن يحيره كثيرا .
                    مد يده إلى أنف زوجته ممسكا به يوقظها من نومها وكانت ما زالت مستغرقة فى النوم بجوار رضيعتها ولكنه لم يفلح فى إيقاظها فزاد من شدة ضغط اصابعه على أنفها فحركت رأسها محاولة التخلص من أصابعه ومن ثم بدأت تشق عينيها وهى تستكشف ما حولها فى تكاسل فلما رأت ما هى فيه مددت ذراعيها إلى الخلف فى محاولة للتمطى نافضة غبار النوم وعلى مهل ونعومة وهى تزيح يده عن أنفها .
-         مبرووووك
-         هيا ..استيقظوا يا أهل القبور .
-         متى استيقظت ؟
-    لم أنم وإنما تركتك ترضعين الطفلة فإذا بك نائمة ..حتى أنك لم تغلقى الباب من الداخل .. ماذا لو فتح أحدهم الباب ورآك هكذا ؟ !
-         صحيح ؟… أنا حتى لم اشعر ولكنه ما تفعله بى ابنتك ليلا فيعقب هذا نهارا .
-         عموما .. الحمد لله ، هيا لقد جئتك بالغذاء .
                    راحت  تسعى فى ترتيب ما أفسده النوم وبسطت مفرشا جلسا بطعامهما إليه وساد مع المضغ صمت لبعض الوقت .
-         نهال ..
-         هه .. نعم ..كم تحمل الدنيا من أفراس ؟
-         لا لا .. لا شئ هناك .
-         و لكنك شاردة فهل رجعت إلى اليابسة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي